في سباق درامي يعيد تعريف علاقة العائلة السورية بالصراع والمال، تعود المخرجة رشا شربتجي هذا الموسم لتأسر الأنظار بمسلسلها الاجتماعي المشوق “مطبخ المدينة”، العمل الذي يجمع كوكبة من نجوم الدراما، يقدّم حكاية عائلية متشابكة تمزج بين دفء العلاقات الإنسانية ووحشية صراعات المال والسلطة والخيانة، في لوحة فنية تلامس الواقع برمزية راقية.
تنطلق الحبكة الدرامية من مشهد عائلي دافئ في عيد ميلاد الطفلة “ريما” الرابع، لتختفي الصغيرة فجأة في ظروف غامضة، هذا الاختفاء يتحول إلى سؤال مفتوح يرفع منسوب التشويق، ويقود الأب “طلحت” في رحلة بحث مضنية عن ابنته، لتتصاعد الأحداث داخل فضاء المطعم العائلي الذي يتحول من مجرد مكان للطعام إلى مسرح تتقاطع فيه الأزمات الأسرية والمجتمعية.
يطلّ النجم عباس النوري بشخصية “طلحت”، الطاهي الذي يعتبر مطعمه امتداداً لتاريخه، ومع اختفاء ابنته، تنقلب حياته رأساً على عقب، ليدخل في صراع وجودي مع أبنائه الذكور، معبّراً عن قناعة مؤلمة بأن الأب الذي يمنح أبناءه كل شيء، قد يفشل في تعليمهم مواجهة الحياة وحدهم.

في المقابل، يقدّم مكسيم خليل شخصية “شجاع”، الذي ينظر إلى العالم كغابة لا ترحم، ويتبنى مبدأ الغاية تبرر الوسيلة بحجة حماية العائلة، ويكشف العمل عبر الفلاش باك عن جذور شخصيته الإشكالية، التي تبلورت خلال فترة وجوده في الجيش، حيث أجبره رفاق السلاح على المشاركة في أعمال نهب وسرقة.
أما أمل عرفة، فتجسد دور “نورا”، المرأة الطيبة التي تحمل في داخلها إنسانية نادرة رغم واقعها القاسي، تتصاعد وتيرة الأحداث لتدفعها إلى اتخاذ قرارات مصيرية، تقودها في النهاية إلى موقع القيادة، في أداء يتقن التنقل بين الضحكة والدمعة، وبين القوة والضعف.
ويكشف المسلسل عن عوالم اجتماعية صادمة من خلال شخصيات متقاطعة، أبرزها شخصية “الكف” التي يؤديها فادي صبيح، وهو رجل لا يتوقف عن التآمر والتفكير بالمال، ويكشف من خلاله العمل عن شبكة متكاملة لتشغيل المتسولين في الملاهي، مسلطاً الضوء على اقتصاد موازٍ قائم على الاستغلال.
ويطل عبد المنعم عمايري بدور “عبد الكبير”، الابن المهمش في العائلة، الذي يتجول بين شهادة الزور بهدف جمع المال بتنظيم من ابن عمه المحامي “صادق”، في رحلة درامية قاتمة تعكس مأزق الإنسان حين يفقد بوصلته الأخلاقية.
تعود رشا شربتجي إلى تقنية التنقل بين الماضي والحاضر التي أبدعت فيها سابقاً (كما في “ولاد بديعة” و”مربى العز”)، لتؤسس سرداً متقناً يكشف دوافع الشخصيات وخلفياتها، ومع تصاعد حبكة الاتجار بالبشر عبر شخصية المحامي “صادق” (خالد القيش) وعلاقته بالعالم السفلي، يزداد الصراع ضراوة داخل العائلة حول مستقبل المطعم وتوزيع الأدوار.
اللافت في العمل هو غوصه العميق في تفاصيل عالم المتسولين، وهي بصمة واضحة للكاتب علي وجيه الذي سبق أن تناول عوالم مهمشة في أعماله السابقة مثل “على صفيح ساخن” و”مال القبان”.
مع كل حلقة، تتكشف النيات بين الخير والشر، ويصنع الطمع والحقد دراما مشوقة تتفجر فيها المفاجآت تباعاً. وفي خضم تشابك الأسرار، يبقى السؤال الأكبر معلقاً في الهواء: “ما مصير الطفلة المختفية؟ وهل ستتمكن عائلة “الجمل” من لملمة شتاتها قبل أن تلتهمها نيران صراعاتها الداخلية؟”








