في ملف المفقودين، لا تكفي الرغبة في معرفة الحقيقة، فالوصول إليها يحتاج إلى سجلات موثوقة، وعينات بيولوجية، ومختبرات قادرة على تحليلها، وقواعد بيانات تحفظ نتائجها، وفرق تعرف كيف تربط كل ذلك بمصير إنسان تنتظر عائلته منذ سنوات إجابة عن مكانه وأين أصبح.
من خلال هذه الرؤية، يمكن قراءة مشاركة فريق من الهيئة الوطنية للمفقودين في سوريا في برنامج تدريبي متخصص بتقنيات الحمض النووي استضافته اللجنة الدولية لشؤون المفقودين في لاهاي بين 14 و18 أيلول الجاري، فالخطوة لا تتعلق بدورة تدريبية اعتيادية، بل بمحاولة نقل الخبرة إلى الداخل، وصولاً إلى بناء قدرة وطنية في مجال ظل لسنوات يعتمد بدرجات مختلفة على الخبرات والإمكانات الخارجية.
ولا بد من الإشارة إلى أن التدريب شمل، وفق الهيئة الوطنية للمفقودين، مراحل العمل المخبري للحمض النووي، وضمان الجودة، ومقارنة البصمات الجينية، إلى جانب بحث تطوير مختبر وطني تابع للهيئة، وهنا تضفي عبارة “بناء قدرات وطنية مستدامة” بعداً مهماً، فهي تعني أن سوريا تسعى إلى امتلاك جزء أساسي من سلسلة البحث، بدءاً من التعامل مع العينات وتحليلها، وصولاً إلى مطابقة النتائج وحفظ البيانات.
وهذا المسار لم يبدأ من المختبر، فقد تم تشكيل الهيئة الوطنية للمفقودين في أيار 2025، والتي أوكلت إليها مهام البحث عن المفقودين والمختفين قسراً، وتوثيق الحالات، وبناء قاعدة بيانات وطنية، ومساعدة عائلاتهم، ومنذ تأسيسها عملت الهيئة على تطوير علاقاتها مع جهات دولية، وإجراء مشاورات مع عائلات المفقودين ومنظمات المجتمع المدني، إضافة إلى العمل على بناء هيكلها المؤسسي وأطرها القانونية.
وتكشف هذه الخطوات التكاملية، إن صح التعبير، أن التعامل مع ملف المفقودين بدأ ينتقل من جهود متفرقة إلى بناء منظومة واحدة، وهو انتقال ضروري في بلد خلّفت فيه سنوات الحرب أعداداً كبيرة من المفقودين ومواقع دفن تحتاج إلى التوثيق والفحص والمقارنة.
لذلك، فإن تطوير مختبر وطني لا ينبغي النظر إليه باعتباره إنجازاً تقنياً منفصلاً، بل جزءاً من بناء قدرة سورية أطول مدى على التعامل مع هذا الملف، فنجاح ذلك لا يقاس بعدد الدورات التدريبية أو الأجهزة التي يتم توفيرها، وإنما بقدرته على تحويل المعلومات والعينات والشهادات إلى نتائج يمكن للعائلات الوثوق بها.
وبالنسبة إلى السوريين، ربما تكمن أهمية هذا المسار في الانتقال من مرحلة السؤال المفتوح إلى مسار مؤسسي يبحث عن إجابة، وقد تكون هذه الإجابة متأخرة في كثير من الحالات، لكن امتلاك الأدوات الوطنية للبحث عنها يجعل الوصول إليها أكثر انتظاماً واستدامة، ويمنح عائلات المفقودين فرصة حقيقية لمعرفة مصير ذويهم بعد سنوات طويلة من الانتظار.
أسرة التحرير









