أكد وزير الطوارئ وإدارة الكوارث رائد الصالح أن عودة النازحين لا تقتصر على نقلهم من الخيام إلى قراهم، وإنما تتطلب توفير ظروف تضمن لهم الكرامة والاستقرار، مشدداً على أن تكون العودة طوعية وآمنة وكريمة ومستدامة.
وقال الصالح، خلال ندوة رفيعة المستوى نظمتها البعثة الدائمة للجمهورية العربية السورية لدى الأمم المتحدة بعنوان (الاستقرار الإقليمي والأمن والعودة المستدامة: حتمية “سوريا بلا مخيمات”): إن “هدفنا ليس إزالة المخيمات بل إزالة الحاجة إليها”.
وأوضح أن رؤية “سوريا بلا مخيمات” أو “صفر خيمة” لا تعني مطالبة العائلات بمغادرة خيامها إلى منازل مدمرة أو مناطق تفتقر إلى المياه والمدارس والمراكز الصحية وفرص العمل، مؤكداً ضرورة توفير البديل قبل إزالة الخيمة.
وأشار إلى أن المخيمات شكلت لسنوات ضرورة إنسانية ساهمت في إنقاذ حياة السوريين، لكنها تبقى حلاً مؤقتاً لا يمكن أن يتحول إلى واقع دائم لأجيال كاملة.
وبيّن الصالح أن العودة المستدامة تقوم على مجموعة عناصر مترابطة، في مقدمتها توفير الأمان من خلال إزالة الألغام والذخائر غير المنفجرة ومخلفات الحرب، إلى جانب إزالة الأنقاض وفتح الطرق وإعادة تأهيل المناطق المتضررة.
وتشمل متطلبات العودة أيضاً إعادة تشغيل البنية التحتية وتأمين الخدمات الأساسية، من مدارس ومراكز صحية وكهرباء ومياه وأفران، إضافة إلى توفير فرص العمل، مؤكداً أن المطلوب “ليس إعادة إعمار المباني فقط، بل إعادة القدرة على الحياة”.
وشدد الصالح على أن المسؤولية الأولى عن التعافي تقع على السوريين، وأن سوريا يجب أن تقود هذه العملية من خلال مؤسساتها ومجتمعاتها المحلية.
ودعا إلى شراكة دولية جديدة تنتقل من تمويل النزوح إلى تمويل الحلول، عبر الاستثمار في إزالة مخلفات الحرب والأنقاض، وإعادة تأهيل المدارس والمراكز الصحية وشبكات المياه والكهرباء، ودعم المرأة والمشروعات الصغيرة وفرص العمل والاقتصاد المحلي.
وأوضح أن المطلوب من المجتمع الدولي ليس تمويل إغلاق المخيمات، وإنما المساعدة في بناء الظروف التي تتيح للسوريين مغادرتها.
وأشار إلى أن الاستثمار في قرية يعود إليها أهلها، أو مدرسة تستقبل أطفالهم، أو شبكة مياه تخدم مجتمعاً، أو مشروع يوفر فرص عمل للعائدين والمقيمين، يمثل استثماراً في الاستقرار، إلى جانب كونه استجابة إنسانية.
علبي: المبادرة امتداد لعمل بدأ داخل سوريا
من جهته، أوضح مندوب سوريا الدائم لدى الأمم المتحدة إبراهيم علبي أن الأرقام التي تعرضها المنظمة الدولية تعكس جهوداً سورية بدأت قبل هذا الحوار، مشيراً إلى أن المبادرة المطروحة في نيويورك تمثل امتداداً لعمل بدأ داخل سوريا وحقق نتائج ملموسة.
وبيّن أن الوفد السوري يعرض خلال المبادرة ما أُنجز حتى الآن، إلى جانب سبل مواصلة العمل وتوسيعه.
العودة بداية لمسار التعافي
بدوره، أكد مدير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي ألكسندر دي كرو أن العودة إلى الديار لا تمثل نهاية التهجير، بل بداية لمسار التعافي.
ولفت إلى أن أعمال إعادة الإعمار بدأت بالفعل في سوريا، وتشمل إزالة الركام والألغام واستعادة الخدمات الصحية، مشيراً إلى ما وصفه برغبة الشباب في إعادة البناء، وإلى العزم الذي لمسه البرنامج خلال تواصله مع الحكومة السورية.
كما أشار دي كرو إلى أن الحكومة تعمل في ظل واقع صعب، مع وجود نحو مليوني نازح داخلي ونحو مليوني مهجّر يعودون إلى سوريا.
وأوضح أن تحقيق مبادرة “سوريا بلا مخيمات” يحتاج إلى استثمارات وسياسات وتنظيم وبرنامج طموح، في ظل استمرار آثار الدمار على حياة أعداد كبيرة من السكان.
واعتبر أن إزالة الألغام، بما تتطلبه من جهود وتمويل طويلَ الأمد، هي من أبرز العقبات أمام العمل التنموي، داعياً إلى دعم التعافي وتحقيق هدف “سوريا بلا مخيمات.”
فليتشر: مستعدون لتحويل الرؤية إلى واقع
ووصف وكيل الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية توم فليتشر اجتماع الرئيس أحمد الشرع مع الأمين العام للأمم المتحدة بأنه من أكثر الاجتماعات إيجابية والتي شارك فيها خلال العامين الأخيرين، معتبراً أنه عكس حجم التقدم المحرز في سوريا.
وأشار فليتشر إلى أنه زار دمشق قبل ستة أشهر برفقة مدير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، حيث أطلقت للمرة الأولى خطط الاستجابة الإنسانية وخطة الاستجابة للاحتياجات بالتعاون مع الحكومة.
وأكد دعمه لإطار “لا مخيمات ولا خيم”، مبدياً استعداد الأمم المتحدة للمساعدة في تحويل الرؤية السورية إلى خطوات عملية، بما يمكن أن يشكل نموذجاً للسوريين وللعالم.
وقال فليتشر: إن الأمم المتحدة خذلت السوريين لفترة طويلة، وعليها الآن تحمل نصيبها من المسؤولية، مستذكراً استعداد فرق سورية قبل أشهر للتوجه إلى فنزويلا للمشاركة في أعمال الإغاثة عقب الزلزال.
وأعرب عن فخره بمشاركة السوريين في إنقاذ الأرواح هناك، في إشارة إلى انتقالهم من تلقي المساعدة إلى المساهمة في تقديمها.
1.8 مليون عائد من دول الجوار
من جهته، أعلن مفوض الأمم المتحدة السامي لشؤون اللاجئين برهم صالح عودة 1.8 مليون مهجّر من البلدان المجاورة إلى سوريا.
وقال صالح: إن زيارته إلى سوريا وصيدنايا أظهرت حجم الدمار الذي خلفته سنوات الحرب، مشيراً إلى قسوة الظروف التي عاشها السوريون، وإلى تأثير خمسة عقود من سوء الإدارة والقمع في طاقات البلاد وريادة الأعمال فيها.
وأضاف: إن سوريا تواجه فرصة كبيرة إلى جانب تحديات جسيمة، مشيداً بروح التصميم لدى السوريين وبجهود الحكومة في التعافي والإنعاش الاقتصادي وإعادة دمج النازحين، لا سيما في حلب ودمشق ومناطق أخرى.
وأكد أن سوريا تمتلك القدرات اللازمة للتقدم، وأن جهودها بعد نحو عامين من إزالة النظام السابق بدأت تستقطب الجهات المانحة، داعياً إلى عقد مزيد من المؤتمرات وترجمة التعهدات المالية إلى مشروعات ملموسة يستفيد منها السكان.
وأوضح صالح أن المفوضية تعمل وفق تفاهمات مع البنك الدولي وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، إلى جانب تعاونها مع القطاع الخاص لحشد الموارد اللازمة لمشروعات اقتصادية تساعد النازحين على العودة، بما في ذلك سكان المناطق النائية.
وشدد على ضرورة ألا تقود العودة إلى دورة جديدة من الاعتماد على المساعدات، مؤكداً أهمية مشاركة المجتمعات المحلية في إعادة بناء مناطقها.
واعتبر أن العودة ليست نهاية المسار، بل بداية لرحلة التعافي، وأن فرصة انتقال سوريا من المأساة إلى الأمل والنجاح يجب ألا تُفوّت.
2.9 مليون نازح عادوا منذ كانون الأول 2024
بدورها، أكدت المديرة العامة للمنظمة الدولية للهجرة آمي بوب أن نجاح مسار العودة والتعافي يتطلب مشاركة الحكومات وتوافر الإرادة السياسية، إلى جانب الانتقال من المساعدات الطارئة إلى حلول أكثر استدامة.
وأشارت إلى عودة 2.9 مليون نازح إلى سوريا منذ كانون الأول 2024، معتبرة أن استقرار سوريا وازدهارها ينعكسان على استقرار المنطقة، ويسهمان في تشجيع مزيد من السوريين على العودة.
ونظّمت البعثةُ الدائمة للجمهورية العربية السورية لدى الأمم المتحدة، أمس الأربعاء، ندوةً رفيعة المستوى بعنوان (الاستقرار الإقليمي والأمن والعودة المستدامة: حتمية “سوريا بلا مخيمات”).
وشاركت في الندوة قياداتٌ أممية ودولية، من بينها برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP)، ومكتب تنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA)، والمنظمة الدولية للهجرة (IOM)، والمفوضية السامية لشؤون اللاجئين (UNHCR) بحضور وزير الطوارئ وإدارة الكوارث رائد الصالح، ومندوب سوريا الدائم لدى الأمم المتحدة إبراهيم علبي، ومدير إدارة التعاون الدولي في وزارة الخارجية قتيبة قاديش.
وركزت أعمال الندوة على ربط رؤية «سوريا بلا مخيمات» بأولويات التعافي الوطنية، لدعم العودة المستدامة للنازحين، وإعادة بناء المجتمعات المحلية، وتعزيز الاستقرار الإقليمي.
أسرة التحرير









