جنيف لم يعد مسار تفاوض، بل ممر إجرائي قبل الانتقال إلى مرحلة تنفيذ. واشنطن لا تختبر نيات طهران، بل تقيس قابليتها للانكماش. الفجوة لم تعد حول التخصيب، بل حول وظيفة النظام وقدرته على إنتاج نفوذ عابر للحدود.
التحشيد البحري لا يهدف إلى ردع نفسي. وجود حاملتي طائرات في مسرح واحد يعني قدرة على حملة تآكل متدرجة تمتد لأسابيع، لا ضربة خاطفة. هذا تموضع لاستدامة الضغط، لا رسالة تفاوضية عابرة.
التحول الجوهري أن مركز الثقل لم يعد منشآت نووية، بل شبكة النفوذ. الصواريخ، خطوط الإمداد البرية، واجهات التمويل، ومنظومات القيادة والسيطرة للحرس الثوري أصبحت بنك الأهداف الحقيقي.

آلية التفكيك تقوم على أربعة محاور: شل منظومات القيادة، تجفيف التمويل الموازي، ضرب ممرات الإمداد، واستهداف البنية السيبرانية المرتبطة بالطاقة والمصارف. الهدف ليس إسقاط دولة، بل تجريدها من قدرتها على تشغيل شبكة إقليمية.
النافذة الزمنية للحسم تتراوح بين ستة واثني عشر أسبوعاً. إذا بدأ استهداف متدرج لشبكات التمويل والوكلاء خلال هذه الفترة، يصبح سيناريو حملة التآكل المسار الأرجح بنسبة تقارب 60 بالمئة.
الانتقال من التآكل إلى الكسر السريع مرهون بمؤشرين: انشقاق داخل الأجهزة الأمنية، أو فقدان السيطرة على مدن رئيسية لأيام متتالية. عندها ترتفع احتمالية التفكك السريع إلى 30 و35 بالمئة.
سيناريو الصفقة الشاملة لا يتجاوز 10 بالمئة، لأنه يتطلب تنازلات تمس جوهر المنظومة الأيديولوجية. ما يطرح حتى الآن لا يرقى إلى تغيير بنيوي في سلوك النظام.
طهران لا تملك ترف الانتظار. خيارها الأخطر هو الهروب للأمام عبر توسيع الاشتباك: تعطيل مضائق حيوية، استهداف منشآت طاقة، أو تحريك الوكلاء بتوقيت متزامن. هذا المسار لا يوقف التفكيك، لكنه يرفع كلفته ويضغط على الزمن.
روسيا والصين لن تخوضا مواجهة مباشرة دفاعاً عن إيران، لكنهما لن تقفا متفرجتين بالكامل. دعمهما سيبقى في حدود الاقتصاد والدبلوماسية وإدارة الطاقة، وهو دعم تكتيكي لا يكفي لقلب ميزان عسكري.
العراق يمثل مركز الثقل في شبكة النفوذ. من يسيطر على عقدة التمويل والتحرك فيه يملك القدرة على خنق الامتداد نحو بقية الساحات. لذلك يبدأ التفكيك من مركز الشبكة، لا من أطرافها.
القمع الداخلي ليس عرضاً جانبياً. ارتفاع وتيرة العنف يعكس ضغطاً داخل البنية ويحد من قدرة النظام على توزيع موارده بين الداخل والخارج. كلما اتسعت فجوة الثقة، تقلص هامش المناورة الإقليمي.
الخطر الأكبر ليس في قرار الحسم، بل في سوء الحساب. احتكاك غير محسوب في الخليج أو العراق قد يحول حملة محسوبة إلى تصعيد أوسع. في بيئة مشحونة، الخطأ قد يكون أسرع من القرار.
هذه ليست أزمة نووية، بل عملية إعادة تعريف لدور دولة. إذا استمر الضغط الخارجي بالتوازي مع إنهاك داخلي متصاعد، فإن إيران لن تسقط بالضرورة، لكنها ستفقد تدريجياً قدرتها على إنتاج النفوذ خارج حدودها. وعندما تجرد دولة من أداتها الرئيسية للتأثير، لا تعود المسألة مسألة بقاء نظام، بل بقاء وظيفة. وعند سقوط الوظيفة، يتغير التوازن– سواء بقيت البنية السياسية أم تبدلت.







