المزيد

‫آخر الأخبار:‬

من تارانتو إلى الغد.. أربع برونزيات تفتح نافذة الأمل للرياضة السوريّة

‫شارك على:‬
20

لم تكن المشاركة السورية في دورة ألعاب البحر الأبيض المتوسط العشرين، التي احتضنتها مدينة تارانتو الإيطالية، مجرد حضور جديد في سجّل المشاركات الخارجية، ولا مجرد رحلة انتهت بأربع ميداليات برونزية.

كان في المشهد ما هو أبعد من الأرقام والمراكز؛ كانت هناك رياضة تحاول أن تلتقط أنفاسها، وتعيد تقديم نفسها، وتبدأ من جديد.

في تارانتو 2026، خاض 27 لاعباً ولاعبة سوريّة منافسات ثماني رياضات، وسط مشاركة واسعة ضمت نحو 3800 رياضي ورياضية من 27 دولة. وبين هذا الزخم المتوسطي الكبير، نجحت البعثة السوريّة في الصعود أربع مرات إلى منصة التتويج، حاملة معها إشارات مشجّعة لما يمكن أن تكون عليه المرحلة المقبلة.

وجاءت البرونزيات الأربع من ألعاب بدت، مرة أخرى، الأقرب إلى صناعة الإنجاز السوري. فحقّق محمد أسد الدين الأسطة برونزية المصارعة الرومانية لوزن 60 كغ، وأضاف إبراهيم الطباع برونزية المصارعة الحرة لوزن 57 كغ، قبل أن يحرز محمد عمران عجينة برونزية الجودو لوزن 60 كغ، فيما اختتم حمزة حلاق الحصيلة ببرونزية النتر في رفع الأثقال لوزن 110 كغ، بعد نجاحه في رفع 191 كغ.

أربع ميداليات قد تبدو رقماً قابلاً للنقاش أمام حجم المشاركة وقوة المنافسة، لكنها في الظروف التي تمر بها الرياضة السورية تحمل دلالة مختلفة.

فالمشاركة جاءت في مرحلة لا تزال فيها المؤسسات الرياضية أمام مهمة كبيرة لإعادة البناء، وترتيب الأولويات، والانتقال من سياسة رد الفعل إلى ثقافة التخطيط والعمل طويل الأمد.

ولم تكن قيمة المشاركة محصورة بمن وقفوا على منصة التتويج. فقد سجّل عدد من الرياضيين نتائج جيّدة، وبلغوا أدواراً متقدّمة، وحقّق بعضهم أرقاماً شخصية، في مؤشرات تؤكد أن قاعدة الإمكانات لا تزال موجودة، لكنها تحتاج إلى بيئة أكثر استقراراً، وإعداداً أكثر احترافية، وفرص تنافس حقيقية قبل الوصول إلى البطولات الكبرى.

ولعل أبرز ما كشفته تارانتو أن الرياضات الفردية ما زالت تمثّل أحد أهم الأبواب التي يمكن للرياضة السورية أن تعبر منها نحو الإنجازات الخارجية. فالمصارعة والجودو ورفع الأثقال وغيرها من الألعاب تملك رصيداً بشرياً وفنياً يمكن الاستثمار فيه، شرط أن تتحوّل الموهبة من حالة فردية إلى مشروع مؤسسي واضح.

المرحلة المقبلة لا تحتاج إلى الاحتفال بالميداليات فقط، بل إلى قراءة ما خلفها أيضاً.

أين نجح الإعداد؟ وأين ظهرت نقاط الضعف؟ ومن هم الرياضيون الذين يمكن أن يُشكّلوا نواة للاستحقاقات القادمة؟ وما الذي تحتاجه الاتحادات لتنتقل من المنافسة من أجل المشاركة إلى المنافسة من أجل الميدالية؟

تلك هي الأسئلة التي تجعل من تارانتو محطة مهمة، لا محطة عابرة.

أربع برونزيات لم تغيّر واقع الرياضة السورية بين ليلة وضحاها، لكنها ربما قالت شيئاً مهماً: إن الإمكانات ما زالت موجودة، وإن المنصات لم تغلق أبوابها أمام الرياضي السوري، وإن البداية، مهما كانت متواضعة، يمكن أن تتحوّل إلى مشروع أكبر عندما تجد من يُحسن التخطيط لها.

الوطن