التقى الرئيس أحمد الشرع اليوم في قصر الشعب بدمشق، وفداً يمثل غرفة صناعة دمشق وريفها وغرفتي تجارة دمشق وريف دمشق، بحضور وزير الاقتصاد والصناعة ومحافظَي دمشق وريف دمشق.
وجرى خلال اللقاء بحث سبل تعزيز التعاون والشراكة بين القطاعين العام والخاص، ودعم مسار التعافي الاقتصادي، إضافة إلى مناقشة التحديات التي تواجه الصناعة والتجارة المحلية وسبل تذليلها، بما يسهم في تنمية الاقتصاد الوطني وتعزيز فرص الاستثمار والنمو المستدام.
أستاذ إدارة الأعمال في جامعة حلب الدكتور خليل حمدان نوه بأن اللقاء الذي جمع الرئيس الشرع بممثلي غرف الصناعة والتجارة يحمل أهمية تتجاوز حدود الحدث نفسه، لأنه يسلط الضوء على قضية جوهرية تتمثل في بناء شراكة حقيقية بين القطاعين العام والخاص في مرحلة يحتاج فيها الاقتصاد السوري إلى الانتقال من التعافي إلى النمو.

ولفت إلى أنه ورغم تعدد التحديات الاقتصادية التي تواجه البلاد، فإن أكبر ما يواجه الاستثمار ليس غياب الفرص، بل طول دورة القرار، وتعدد الجهات، وتداخل الإجراءات.
مشيراً إلى أنها تحديات لا تحتاج دائماً إلى موارد ضخمة بقدر ما تحتاج إلى إدارة أكثر كفاءة وسرعة في التنفيذ وقدرة على تحويل الخطط إلى نتائج ملموسة.
وقال: خلال السنوات الماضية تركزت الجهود على مواجهة التحديات والحفاظ على استمرارية النشاط الاقتصادي في ظروف بالغة الصعوبة، أما اليوم فإن التحدي أصبح مختلفاً؛ إذ لم يعد السؤال كيف نحافظ على ما تبقى، بل كيف نبني اقتصاداً أكثر قدرة على الإنتاج والاستثمار والمنافسة.
من الحوار إلى التنفيذ
ونوه حمدان بأنه تكمن قيمة مثل هذه اللقاءات في أنها تجمع أصحاب القرار بأصحاب الخبرة الميدانية، فالصناعي والتاجر والمستثمر هم الأكثر قدرة على تشخيص العقبات التي تواجه النشاط الاقتصادي، سواء كانت مرتبطة بتكاليف الإنتاج أم التمويل أو الإجراءات أو الخدمات.
وأضاف: لكن قيمة الحوار لا تقاس بعدد الاجتماعات التي تعقد، بل بقدرة المؤسسات على تحويل المخرجات إلى قرارات قابلة للتنفيذ، فالاقتصاد لا يتحرك بالتصريحات، بل بالقرارات التي تزيل العقبات وتفتح المجال أمام العمل والإنتاج.
وأشار أستاذ الاقتصاد إلى أن نجاح أي شراكة اقتصادية لا يبدأ عند توقيع الاتفاقات، بل عندما يلمس المستثمر تغيراً حقيقياً في بيئة العمل وسرعة الإنجاز وكفاءة الخدمات.
ويرى حمدان أن التجربة الفيتنامية تقدم مثالاً مهماً في هذا المجال، إذ نجحت الحكومة في بناء شراكة فاعلة مع القطاع الخاص، وتبسيط الإجراءات وتحسين بيئة الأعمال، ما أسهم في جذب الاستثمارات وتحقيق معدلات نمو مرتفعة، ويكمن الدرس الأهم في أن الإصلاح الاقتصادي لم يبدأ بضخ الأموال، بل بإزالة العوائق أمام الإنتاج والاستثمار وتعزيز الثقة ببيئة الأعمال.
واعتبر حمدان أنه هنا يبرز درس مهم لسوريا: المستثمر لا يبحث فقط عن الحوافز، بل عن الثقة والاستقرار والقدرة على التخطيط للمستقبل.
دعم الصناعة .. دعم للاقتصاد الوطني
وأكد حمدان أنه لا يمكن الحديث عن تعاف اقتصادي حقيقي دون قطاع صناعي قوي وقادر على المنافسة، فكل منشأة إنتاجية تعمل تعني فرص عمل جديدة وزيادة في الإنتاج وتنشيطاً لحركة النقل والتجارة والخدمات.
ولفت إلى أنه من هنا فإن معالجة التحديات التي تواجه الصناعة السورية، سواء المتعلقة بالطاقة أم التمويل أو البنية التحتية أو الإجراءات، لا تمثل دعماً لفئة محددة، بل استثماراً مباشراً في الاقتصاد الوطني بأكمله.
كما أن دعم التجارة وتسهيل حركة الأعمال يسهم في تنشيط الأسواق وجذب الاستثمارات ورفع القدرة التنافسية للمنتج السوري.
وأكد أنه تزداد أهمية ذلك في الحالة السورية، حيث يمتلك القطاع الخاص خبرات تراكمت عبر عقود طويلة، وأثبت خلال سنوات الأزمة قدرة كبيرة على التكيف والاستمرار رغم الظروف الاستثنائية.
الإدارة أولاً
من منظور إداري، يشدد أستاذ إدارة الأعمال على أن نجاح الشراكة بين القطاعين العام والخاص لا يعتمد فقط على توفر الموارد أو إصدار القرارات، بل على وجود إدارة فاعلة قادرة على المتابعة والتقييم وقياس النتائج، فكثير من المبادرات الاقتصادية تتعثر ليس بسبب ضعف الأفكار، بل بسبب بطء التنفيذ أو غياب التنسيق أو ضعف المتابعة. ولذلك فإن المرحلة المقبلة تتطلب إدارة تعتمد على الإنجاز والنتائج لا على الإجراءات والوعود فقط.
وشدد على أن الاقتصادات الناجحة لا تبنى بكثرة الخطط، بل بقدرة المؤسسات على تحويل الخطط إلى واقع ملموس يشعر به المستثمر والعامل والمواطن.
الاستثمار يبحث عن الوضوح
وأشار حمدان إلى أن البعض يعتقد أن المشكلة الأساسية تكمن في نقص التمويل، لكن التجارب العالمية تشير إلى أن التمويل يتبع الثقة وليس العكس، فعندما يشعر المستثمر بوجود بيئة مستقرة وإجراءات واضحة ورؤية اقتصادية متماسكة، يصبح أكثر استعداداً للاستثمار والتوسع.
مضيفاً: لهذا فإن بناء الثقة بين الدولة والقطاع الخاص، وتوفير الوضوح والاستقرار في بيئة الأعمال، قد يكون أحد أهم الاستثمارات التي يمكن أن تحققها سوريا خلال المرحلة المقبلة.
ما الذي يحتاجه الاقتصاد السوري؟
يرى حمدان أن الانتقال من مرحلة التعافي إلى مرحلة النمو يتطلب تبسيط الإجراءات الاقتصادية، وتحسين بيئة الأعمال، ومعالجة التحديات التي تواجه القطاع الصناعي، ولا سيما ما يتعلق بالطاقة والتمويل والبنية التحتية والخدمات اللوجستية.
كما يتطلب اعتماد الإدارة القائمة على النتائج، وتشجيع عودة رؤوس الأموال والخبرات السورية، وتعزيز الشراكة المؤسسية بين القطاعين العام والخاص في المشاريع التنموية والاستثمارية الكبرى، مؤكداً أن التحدي الحقيقي لا يكمن في تحديد الأولويات، بل في سرعة تنفيذها وتحويلها إلى نتائج ملموسة تنعكس على الإنتاج والاستثمار وفرص العمل.
وخلص حمدان إلى أن الاقتصاد السوري لا يحتاج إلى اكتشاف مشكلاته، فمعظمها معروف ومشخص منذ سنوات، ما يحتاجه فعلاً هو تحويل الحوار إلى قرارات، والقرارات إلى مشاريع، والمشاريع إلى فرص عمل وإنتاج واستثمار.
وقال: إذا كان هذا اللقاء قد فتح باب الحوار بين الدولة وممثلي الصناعة والتجارة، فإن التحدي الحقيقي يبدأ بعد انتهاء اللقاء، فنجاح الشراكة معياره عدد المصانع التي تعود إلى العمل، والاستثمارات التي تنطلق، وفرص العمل التي تخلق على أرض الواقع.
فالتنمية ليست ما نخطط له فقط، بل ما نستطيع تنفيذه وقياس أثره. وعندما تتحول الشراكة بين الدولة والقطاع الخاص من فكرة إلى ممارسة يومية، يصبح النمو الاقتصادي نتيجة طبيعية لا هدفاً بعيد المنال.
وختم بالقول: يبقى الدرس الأهم أن رؤوس الأموال لا تهاجر بسبب نقص الفرص، بل بسبب غياب الثقة، وعندما تتوافر الثقة والاستقرار ووضوح الرؤية، يصبح الاستثمار شريكاً طبيعياً في التنمية لا مجرد متلق للحوافز.








