في ظل الارتفاع الجنوني الذي حصل مؤخرا على أسعار العقارات في سورية، يبرز سؤال يهم ملايين السوريين الذين لا يملكون مساكنهم: ماذا سيحدث لأسعار الإيجارات؟
الدكتور أنور وردة، خبير التقييم العقاري، يرسم سيناريو قاتماً للأشهر الستة القادمة، محذراً من تداعيات تمتد من السكن المشترك إلى الهجرة الداخلية القسرية، وصولاً إلى تفاقم الظواهر الاجتماعية السلبية.
ارتفاع سريع وعودة السكن المشترك
يتوقع الدكتور وردة أن تستمر الإيجارات بالارتفاع بوتيرة سريعة خلال الأشهر الستة القادمة، ويشرح الآلية ببساطة قائلاً لـ “الوطن”: عندما ترتفع أسعار العقارات، يحاول المالكون تعويض تكاليفهم ورفع عوائد عقاراتهم عبر رفع الإيجارات، وفي الوقت نفسه، فإن تراجع قدرة كثير من الناس على التملك يدفعهم للاستئجار، ما يزيد الطلب على البيوت المؤجرة ويضغط على الأسعار أكثر.
ويحذر وردة من أن هذا قد يؤدي إلى إعادة تفعيل ظاهرة “السكن المشترك” التي كادت تختفي من المجتمع السوري، أو إلى الهجرة الداخلية القسرية نحو مناطق أقل تكلفة.
ضبط السوق..
يرفض الخبير فكرة ضبط السوق بقرارات إدارية بحتة، معتبراً أن القرارات التي تحاول ذلك تستفز المالكين وتدفعهم نحو المزيد من التعسف في استعمال الحق.
ويؤكد أن ضبط السوق يجب أن يرتكز على سياسات حكومية واضحة، من أبرزها تخفيض الرسوم والضرائب الجمركية على مواد البناء الأساسية المخصصة للإسكان الشعبي والمتوسط، وليس للمشاريع الاستثمارية فقط.
كما يدعو إلى إطلاق مشاريع إسكان حقيقية بالشراكة بين القطاعين العام والخاص، مع قروض طويلة الأجل وفوائد مدعومة تتناسب مع دخل المواطنين، مشدداً على ضرورة ربط سياسات إعادة الإعمار بخطة اجتماعية واضحة تضمن أولوية السكن للأسر المتضررة وذوي الدخل المحدود، لا تحويل الإعمار إلى سوق استثماري مغلق للأثرياء فقط، بدأ فعلاً والعبء على المستأجر.
وحول تأثير ارتفاع العقارات على الإيجارات.. يجيب الدكتور وردة عن هذا السؤال بحسم: “بالتأكيد نعم، والتأثير بدأ فعلياً”، ويشرح إن المالك يعتبر العقار استثماراً يجب أن يحقق عائداً أعلى يتناسب مع قيمته السوقية الجديدة، لكن الخطورة في سورية كما يرى أن هذا الارتفاع يحدث في ظل دخول متدهورة، ما يعني أن العبء ينتقل مباشرة إلى المستأجر.
ويعدد وردة النتائج المتوقعة: مزيد من الضغط الاجتماعي، وتراجع القدرة على الاستقرار السكني، واتساع الفجوة بين من يملك العقار ومن يعيش على دخله الشهري فقط.
تحذير اجتماعي: التسول والسرقة والفساد
يطلق خبير التقييم العقاري تحذيراً اجتماعياً صريحاً، يقول فيه: “ستنعكس هذه الأوضاع الضاغطة على المجتمع سلباً إذ أدت إلى تفشي جرائم التسول والسرقة والفساد وغير ذلك، وهو أمر بتنا نسمع عنه تكراراً مع الأسف”، فهذه الظواهر، برأيه، ليست بعيدة عن الأزمة السكنية، بل هي امتداد طبيعي لتفاقم الضغوط المعيشية على المواطنين الذين لم يعودوا قادرين على تأمين أبسط احتياجاتهم من مأكل وملبس ومسكن.
وفي الختام نؤكد أن أزمة الإيجارات في سورية ليست مجرد انعكاس طبيعي لارتفاع أسعار العقارات، بل هي جزء من حلقة مفرغة: العقارات ترتفع بسبب المضاربة والخوف من التضخم، والإيجارات ترتفع بسبب ارتفاع العقارات، والمواطن العاجز عن الشراء يلجأ للاستئجار فيزيد الطلب على الإيجارات، وهكذا.
كما أن كسر هذه الحلقة، يتطلب تدخلاً حكومياً ذكياً لا يعتمد على القرارات الإدارية القمعية، بل على سياسات إسكانية حقيقية تزيد المعروض، وتخفض التكاليف، وتستهدف الفئات الأكثر حاجة، قبل أن تتفاقم التداعيات الاجتماعية وتصبح خارج السيطرة.






