الوطن – أسرة التحرير
بدت جلسة مجلس الأمن أمس حول سوريا أقرب إلى إعادة تموضع سياسي جماعي تجاه مقاربة مختلفة للملف السوري، عنوانها الانتقال من إدارة الأزمة إلى الاستثمار في الاستقرار، إذ لم يكن الإجماع الواسع على دعم خطة الاستجابة الإنسانية لعام 2026 مجرد توافق تقني، بل عكس تحولاً أعمق في نظرة الفاعلين الدوليين إلى “سوريا الجديدة” بوصفها شريكاً إيجابياً فاعلاً، لا ساحة مفتوحة للصراع.
واللافت في كلمات الدول الكبرى والفاعلين الأمميين هو تقاطعها عند ثلاث ركائز أساسية: أولاً، تثبيت مفهوم السيادة السورية ورفض أي انتهاك لها، وهو ما تجلى بوضوح في الإدانة شبه الجماعية للاعتداءات الإسرائيلية، ثانياً، الاعتراف بالتقدم في الأداء الحكومي، سواء على الصعيد المحلي أم إدارة التوازنات الإقليمية، وثالثاً، الدفع باتجاه ربط العمل الإنساني بمسار التعافي وإعادة الإعمار، بما يتجاوز منطق الإغاثة المؤقتة إلى بناء الاستدامة.

وتكشف القراءة المتأنية للجلسة أن الإجماع لم يكن إنسانياً بقدر ما كان سياسياً مقنعاً، فحين تتقاطع واشنطن ولندن وباريس مع موسكو وبكين ودول الجنوب على مفردات مثل “السيادة” و”التعافي” و”الاستقرار”، فنحن أمام لحظة نادرة من التقاء المصالح لا القيم، وهذا التقاطع يعكس إدراكاً دولياً آخذاً بالتشكل، يقوم على إعادة تموضع سوريا ضمن معادلة توازن إقليمي دقيقة.
وضمن هذا السياق، حملت المواقف الغربية، لا سيما الأميركية والبريطانية والفرنسية، مؤشرات تستحق التوقف، فالإقرار الأميركي بتحول سوريا إلى شريك في مكافحة الإرهاب، والإشادة البريطانية بمسار الانفتاح السياسي، والحديث الفرنسي عن “فاعل إيجابي” في الإقليم، كلها تعكس انتقالاً تدريجياً نحو العمل الإيجابي المستقبلي.
في المقابل، عززت مداخلات روسيا والصين ودول الجنوب العالمي منطق الدعم السيادي، مع التشديد على ضرورة رفع العقوبات وتسريع إعادة الإعمار، وبين هذين المسارين تبدو الأمم المتحدة محاولة بناء جسر عملي عبر خطط إنسانية موسعة ومبادرات مثل “لا مخيمات” و”لا ألغام”، التي تعكس فهماً متقدماً لضرورات المرحلة.
أما الكلمة السورية، فجاءت لتؤطر هذا المشهد ضمن سردية “الفرصة التاريخية”، عبر التركيز على العدالة الانتقالية واستعادة المؤسسات والانفتاح الدبلوماسي، بهدف تثبيت صورة الدولة التي تستعيد عافيتها تدريجياً، وفي الوقت ذاته، أعادت دمشق وضع الاعتداءات الإسرائيلية في صلب النقاش الدولي، بوصفها العائق الأبرز أمام استقرار كامل.
والأهم أن سوريا لم تعد مجرد بند إنساني على جدول أعمال مجلس الأمن، بل تحولت إلى ملف سياسي مركزي يتقاطع مع أمن الإقليم واستقرار النظام الدولي، وسط إرادة دولية أفصحت علناً بأن استقرار سوريا لا غنى عنه لاستقرار المنطقة، والسؤال المفتوح، كما طرحه المندوب السوري بذكاء: إذا كانت سوريا قد بدأت المسار، فهل يمتلك المجتمع الدولي الإرادة الكافية لمواكبته حتى النهاية؟








