تشهد سوريا في المرحلة الحالية مساراً متسارعاً من الانفتاح على المحافل الدولية، يعكس تحوّلاً تدريجياً في موقعها داخل النظام الإقليمي والدولي، حيث بات حضورها أكثر وضوحاً في اللقاءات السياسية والاقتصادية الكبرى، في إشارة إلى مرحلة جديدة من إعادة التموضع.
وفي أحدث التطورات، برز الإعلان عن مشاركة الرئيس أحمد الشرع في قمة مجموعة السبع “G7” المقرّرة في فرنسا الشهر المقبل، كضيف رسمي، في خطوة تُعدّ الأولى من نوعها منذ تأسيس المجموعة عام 1975.
وتمثّل هذه المشاركة، وفق مصادر دبلوماسية، مؤشراً إلى انفتاح متزايد في قنوات التواصل بين دمشق ومراكز القرار الاقتصادي العالمي، وخصوصاً أن القمة تضم أكبر الاقتصادات الصناعية وأكثرها تأثيراً في صياغة السياسات المالية الدولية.

وتشير المعطيات إلى أن الدعوة وُجّهت عبر قنوات رسمية خلال اجتماع مالي سابق للمجموعة في باريس، ما يعكس إدماج سوريا بشكل متدرّج في النقاشات الاقتصادية الدولية، ولا سيما تلك المرتبطة بسلاسل الإمداد وأمن التجارة العالمية، وهي ملفّات باتت أكثر حساسية في ظل التوترات الجيوسياسية المتصاعدة.
وسبق هذا التطور تحركات سوريّة أخرى على الساحة الدولية، من بينها مشاركة الرئيس الشرع في قمة غير رسمية للمجلس الأوروبي في العاصمة القبرصية نيقوسيا الشهر الماضي، وهي مشاركة حملت دلالات سياسية مرتبطة بإعادة فتح قنوات الحوار مع المؤسسات الأوروبية، ضمن مقاربة تقوم على الانخراط التدريجي بدل العزلة.
كما تتقاطع هذه التطورات مع ما تم تداوله حول تلقّي دمشق دعوة لحضور قمة حلف شمال الأطلسي “الناتو” في أنقرة خلال تموز المقبل، وهو ما يضيف بعداً جديداً لحركة الانفتاح السوري على المنصّات الغربية، ويعكس تنوّعاً في مستويات التواصل بين دمشق ومراكز التأثير الدولية.
في خلفية المشهد، تبدو هذه التحرّكات مرتبطة بتغيرات أوسع في البيئة الدولية، حيث فرضت التحوّلات الاقتصادية والأمنية إعادة التفكير في خرائط العلاقات التقليدية، فاضطراب سلاسل التوريد العالمية، والتوتر في الممرات البحرية، أعادا تسليط الضوء على أهمية الموقع الجغرافي لسوريا ضمن شبكة التجارة بين آسيا وأوروبا.
بالتوازي، تعمل دمشق على استثمار هذا المناخ عبر تعزيز حضورها في المؤسسات متعدّدة الأطراف، وفتح مسارات أوسع للنقاش حول إعادة الإعمار، وتسهيل تدفّق الاستثمارات، وإعادة دمج الاقتصاد السوري تدريجياً في المنظومة المالية العالمية.
ولا يبدو هذا الانفتاح مجرد سلسلة من المشاركات الدبلوماسية، بل هو أقرب إلى إعادة صياغة متدرّجة لدور سوريا الخارجي، حيث تتوسّع دائرة الحضور من الملفات السياسية إلى الاقتصادية، ومن الإقليم إلى الفضاءات الدولية الأكثر تأثيراً.
وبين قمة مجموعة السبع في فرنسا، واجتماعات نيقوسيا، ودعوة أنقرة، تتشكّل ملامح مرحلة جديدة، تعيد رسم موقع سوريا داخل المشهد الدولي بوصفها طرفاً حاضراً في النقاشات الكبرى، لا على هامشها.
الوطن – أسرة التحرير








