في وقت تترقب فيه الأسواق السورية انعكاسات عودة تدفقات النفط والغاز، يؤكد الدكتور عبد الرحمن محمد، أستاذ التمويل والمصارف في جامعة حماة، أن الأولوية اليوم لا تكمن في الاحتفاء بـ”وفرة” لم تتحقق بعد، بل في كيفية إدارة هذه الموارد لتأمين الاحتياجات الأساسية وترميم الاقتصاد المنهك. وأوضح محمد في حديثه لـ”الوطن” أن استعادة السيطرة على منابع الثروة هي فرصة استراتيجية لردم فجوة الاستهلاك المحلي وتقليص فاتورة الاستيراد، مشدداً على ضرورة التخطيط من الآن لتجنب فخ “المرض الهولندي” الذي قد يصيب الاقتصاد في حال تم التعامل مع هذه الموارد بعقلية ريعية استهلاكية.
كما أوضح محمد أن الخطر يكمن في استخدام تدفقات القطع الأجنبي الناجمة عن الموارد لتحقيق تحسن “وهمي” وسريع في سعر الصرف، ما قد يضعف تنافسية القطاعات الإنتاجية كالزراعة والصناعة، والتي فقدت الكثير من طاقتها خلال سنوات الحرب.
ولتجنب هذا السيناريو مستقبلاً، رأى أستاذ الاقتصاد ضرورة البدء بتأسيس “صندوق مالي” يضمن توجيه العوائد النفطية نحو إعادة إعمار البنية التحتية الإنتاجية وتنشيط المصانع والمزارع، بدلاً من استنزافها بزيادة الإنفاق الاستهلاكي الحكومي الذي يفاقم التضخم.

وفي شق التخطيط البعيد المدى، اقترح محمد اعتماد سياسات نقدية ومالية مرنة توازن بين استقرار الليرة وحماية المصدّرين، مع توجيه التمويل عبر بنوك التنمية لتعزيز سلاسل القيمة المضافة، مثل ربط النفط بالصناعات البتروكيماوية والقطن بالصناعات النسيجية، لضمان تحويل الموارد الخام إلى سلع مصنعة تضاعف قيمتها.
ما شدد على أهمية الحوكمة والشفافية في إدارة هذه المرحلة لضمان وصول الدعم اإلى مستحقيه الفعليين وتحفيز الابتكار في القطاعات غير النفطية.
وختم الدكتور محمد رؤيته بأن النجاح في هذه المرحلة لا يقاس بحجم التدفقات النقدية العابرة، بل بمدى القدرة على تحويل كل برميل نفط وكل سنبلة قمح إلى “وقود” حقيقي لإعادة تشغيل الدورة الإنتاجية الوطنية، كما أن تحسن الليرة المنشود يجب أن يكون انعكاساً لزيادة الإنتاجية والتعافي الشامل، وليس مجرد نتيجة لتدفق مؤقت للعملة الصعبة، ما يستدعي رؤية اقتصادية تضع الإنتاج والتصنيع كركائز أساسية للسيادة الاقتصادية المستدامة.








