من منظور نظري يستند إلى مفهوم “قطب النمو” لفرنسوا بيرو، يرى أستاذ الاقتصاد في جامعة حلب، الدكتور عبد الحميد صباغ، أن الاستثمار المركز في قطاع رائد يولّد تأثيرين، أمامي يخفّض تكاليف النقل ويحفّز الصادرات، وخلفي يُخلق طلباً على الخدمات المحلية كالتأمين والبناء وتموين السفن.
وبناءً عليه، يحلل صباغ في حديثه لـ «الوطن» أبعاد استثمار الـ 800 مليون دولار في ميناء طرطوس، معتبراً إياه استثماراً كبيراً، لكنه ليس ضخماً بما يكفي وحده لتحويل اقتصاد بحجم الاقتصاد السوري، مؤكداً أن قوته الحقيقية تكمن في قدرته على جذب استثمارات تكميلية في مناطق لوجستية ومصانع تعبئة، ومن دونها سيبقى الميناء “بوابة محدثة” وليس قطباً اقتصادياً.
شروط التحوّل إلى قاطرة إعمار

ولكي يتحول المشروع إلى “قاطرة إعمار” حقيقية، يشدد صباغ على ضرورة اقترانه بمناخ استثماري يجذب رؤوس الأموال للقطاعات الإنتاجية المنافسة خارجياً، بالتوازي مع تكامل المناطق الخلفية وتطوير شبكات الطرق والسكك الحديدية التي تربط الداخل بالميناء، وتهيئة بيئة تشريعية تحاكي التحوّلات الدولية، ويخلص إلى أن المشروع قد يكون قطب النمو الإقليمي للساحل، لكن أثره الكلي سيظل محدوداً ما لم يُستكمل بمناطق صناعية حرّة وشبكة نقل حديثة.
الرقمنة ومؤشر الأداء اللوجستي العالمي
وحول أثر الرقمنة على مؤشر الأداء اللوجستي الصادر عن البنك الدولي، يتوقع صباغ ارتفاعاً مرتقباً في مؤشري “كفاءة الجمارك” و”التتبع” في سوريا، نتيجة القضاء على المعاملات الورقية وتقليص زمن التخليص من أيام إلى ساعات.
ومع ذلك، يؤكد أن تحسين الترتيب الإجمالي يحتاج لتكامل يشمل البنية التحتية للطرق وجودة المشغّلين المحليين وتجاوز بيروقراطية المنافذ البرية، متوقعاً أن ترفع الرقمنة ترتيب سوريا (التي تقبع حالياً ما بعد المرتبة 130) لتصبح بين 90 و100 خلال ثلاث سنوات، بينما تتطلب القفزات الأعلى إجراءات داخلية شاملة.
إعادة صياغة الخريطة التجارية لشرق المتوسط
يشرح صباغ سيناريوهات التغيير في الحياض التجارية لموانئ المنطقة عبر ثلاثة محاور:
سحب البساط من موانئ لبنان: جذب شحنات كانت تمر عبر بيروت وطرابلس اللتين تعانيان قدم البنية وغياب الرقمنة.
منافسة “مرسين”: التنافس مع الموانئ التركية وخاصة في الصادرات الزراعية والصناعية الخفيفة، مع ميزة القرب الجغرافي لطرطوس من دمشق والأردن.
البوابة الإماراتية: ربط دبي بحوض المتوسط، حيث يمثل طرطوس بوابة دخول أسرع وأرخص للسلع الإماراتية الكمالية والأدوية والآلات، مع إمكانية تدشين خط بحري مباشر مع “جبل علي”.
ورغم هذه التحوّلات، لا يرى صباغ إعادة صياغة كاملة للخريطة نظراً لتقدم موانئ أخرى تقنياً، لكنه سيخلق مركز جاذبية جديداً يعيد التوازن لمصلحة الساحل السوري والشمال الأردني.
نموذج “الاعتماد المتبادل” بشروط
يرى صباغ أن المشروع يمثل نموذجاً لتعزيز الاعتماد المتبادل، فالإمارات تحصل على بوابة لأسواق المتوسط وأوروبا الشرقية، وسوريا تحقق استثمارات وتكسر العزلة، لكن استدامة هذا الاستقرار مرهونة بتعدد الأطراف الدولية لضمان عدم التأثر بالتقلّبات السياسية، والشمولية لخدمة دول الجوار عبر ممرات برية، إضافة إلى الحوكمة والشفافية لضمان عدم تحوّل الاعتماد إلى “تبعية غير متكافئة”.
ويختم الدكتور صباغ حديثه بالإشارة إلى أن المشروع يحمل ثلاثة أبعاد جوهرية: اختراق استثماري دولي يمثله دخول عملاق كـ “موانئ دبي العالمية” ما يعيد ثقة القطاع الخاص العالمي، وتحوّل استراتيجي يحوّل طرطوس إلى بوابة لوجستية تنافسية، وشريان حياة لإعادة الإعمار عبر خفض تكاليف النقل والتأمين. ورغم أنه ليس عصا سحرية، إلا أن نجاحه سيكون إشارة قوية لبدء اندماج سوريا الاقتصادي الإقليمي والدولي، وصفعة حقيقية لعقبة الإعمار الكبرى المتمثلة في تهالك البنية التحتية.








