بارقة أمل يمكن تلمسها في كلام الرئيس الأميركي دونالد ترامب الأخير حول الاتفاق مع إيران، إلى حد إمكانية الحديث عن دخول الطرفين مرحلة جديدة تتجاوز لغة التهديد التقليدية نحو اختبار جدي لإمكانية التفاهم السياسي، فحديث ترامب بتعليقه هجوماً مزمعاً على إيران بعد تلقي واشنطن اقتراح سلام من طهران، تحوّل لافت يتجاوز ما سبقه من تصريحات للرئيس الأميركي، بل يحمل دلالات عميقة حول طبيعة التحولات الجارية في إدارة هذا الملف المعقد.
البارز والمهم في كلام ترامب ليس فقط الحديث عن تعليق الهجوم، بل تأكيده وجود فرصة جيدة جداً للتوصل إلى اتفاق يحد من البرنامج النووي الإيراني، ما يكشف أن واشنطن، رغم استمرار سياسة الضغط، تدرك أن خيار الحرب المباشرة مع إيران قد يكون مكلفاً إلى درجة يصعب احتواؤها، سواء على المستوى العسكري أو الاقتصادي أم حتى السياسي داخلياً وخارجياً.
في قراءة لما مضى من وقت، منذ إعلان الهدنة في 8 نيسان وما تلاها من تمديد لها ووساطات للتوصل الى حل نهائي، يمكن الحديث أن الطرفين وصلا إلى قناعة مشتركة، وإن بشكل غير معلن، مفادها أن استمرار التصعيد المفتوح لم يعد يخدم مصالح أي منهما، فالولايات المتحدة تعلم أن أي مواجهة عسكرية مع إيران لن تكون عملية خاطفة، بل قد تشعل منطقة الشرق الأوسط بأكملها، وتهدد أمن الطاقة العالمي، وتضع القوات والمصالح الأميركية في مرمى الاستهداف المباشر، أما إيران، فهي تدرك بدورها أن الضغوط الاقتصادية والعقوبات الطويلة أرهقت الداخل الإيراني، وأن فتح نافذة تفاوضية قد يمنحها متنفساً اقتصادياً وسياسياً تحتاجه بشدة.

من هنا يمكن قراءة التصريحات الأخيرة باعتبارها محاولة متبادلة لإعادة إنتاج “توازن جديد” بين الردع والتفاوض، فواشنطن تريد كبح البرنامج النووي الإيراني ومنع طهران من الاقتراب أكثر من العتبة النووية، بينما تسعى إيران إلى تثبيت حقها في برنامج نووي سلمي مقابل تخفيف العقوبات وإعادة دمجها نسبياً في الاقتصاد العالمي.
لكن المنطق والتجارب تقول إن التفاؤل المفرط يبقى غير واقعي، فالعلاقة بين الطرفين مثقلة بتاريخ طويل من انعدام الثقة، منذ انهيار اتفاق خطة العمل الشاملة المشتركة عام 2015، مروراً بسنوات التصعيد والعقوبات والاغتيالات والهجمات غير المباشرة في المنطقة، كما أن هناك أطرافاً إقليمية، وفي مقدمها إسرائيل، تنظر بقلق شديد إلى أي اتفاق قد يمنح إيران هامش حركة أوسع من دون ضمانات صارمة.
بين هذا وذاك يمكن التوقع بسيناريو أقرب إلى الواقع، حيث يمكن التوصل إلى اتفاق ليس تاريخياً شاملاً، بل تفاهم مرحلي محدود يقوم على قاعدة “خفض التصعيد مقابل التهدئة النووية”، بمعنى، قد توافق إيران على قيود مؤقتة أو رقابة إضافية على برنامجها النووي، مقابل تخفيف جزئي للعقوبات أو الإفراج عن بعض الأصول المالية، وهو نموذج يشبه إدارة الأزمة أكثر من حسمها النهائي.
كما أن ترامب، المعروف بعقلية رجال الأعمال والصفقات، قد يرى في هذا الملف فرصة لتقديم نفسه باعتباره رئيساً استطاع انتزاع تنازلات من إيران من دون الدخول في حرب جديدة، وهو خطاب يجد صدى لدى قطاع من الناخبين الأميركيين الذين سئموا التدخلات العسكرية المكلفة.
في ملخص بسيط.. تبدو المنطقة اليوم واقفة بين احتمالين متناقضين، إما العودة إلى دوامة التصعيد إذا تعثرت المفاوضات، وإما الدخول في مرحلة تهدئة حذرة قد تعيد رسم قواعد الاشتباك بين واشنطن وطهران. لكن المؤكد أن لغة السياسة بدأت (ولو مؤقتاً) تتقدم على لغة الصواريخ، وأن فرصة الاتفاق التي تحدث عنها ترامب تعكس إدراكاً متبادلاً بأن كلفة الحرب أصبحت أكبر من قدرة الجميع على تحملها.
الوطن – أسرة التحرير








