لسنوات خلت، راكمت الصين حضوراً اقتصادياً لافتاً في منطقة الشرق الأوسط، لطالما كانت المنطقة سوقاً واسعة لمنتجاتها واستثماراتها، وأرضاً خصبة لمشاريع البنية التحتية والطاقة والتجارة الصينية، ما جعل الحضور الصيني ذا ثقل اقتصادي متنامٍ، ومع إدراك بكين بأهمية “الشرق الأوسط” وإفريقيا تبدو اليوم أكثر اهتماماً بتحويل هذا الحضور إلى نفوذ سياسي ودبلوماسي يوازي ذاك الوزن الاقتصادي.
وفي هذا السياق تكتسب زيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى القاهرة أهمية تتجاوز حدود العلاقات المصرية- الصينية، لتطرح سؤالاً أوسع، هل تتحول مصر إلى البوابة التي تعبر منها الصين نحو حضور سياسي واستراتيجي أكثر رسوخاً في الشرق الأوسط وإفريقيا؟
يرى العديد من المحللين أن الصين لم تعد تقف على أبواب الشرق الأوسط بانتظار أن تفتح لها الأسواق، وأنها بالفعل دخلت من البوابة التي يصعب تجاوزها، وهي بوابة القاهرة.
ويؤكد المحللون أن خلف الاتفاقات والاستثمارات ومشاريع البنية التحتية بين الصين ومصر ثمة حسابات أكبر تتحرك، لتتصل بمستقبل النفوذ الدولي في الشرق الأوسط، وبالصراع المتصاعد على طرق التجارة والطاقة والممرات البحرية، وبإعادة تشكيل النظام الدولي على قاعدة تعدد مراكز القوة.
في جواب على سؤال البعض لماذا مصر؟ يبيّن محللون أن هناك دولاً تملك المال، وأخرى تملك الطاقة، وثالثة تملك الموقع، أما مصر فتجمع بين الموقع والتأثير السياسي والامتداد العربي والإفريقي، وفوق ذلك كله تملك قناة السويس، أحد أهم شرايين التجارة العالمية.
ويوضح المحللون أن مصر لا تمثل بالنسبة إلى الصين سوقاً ضخمة فقط، وإنما موقع استراتيجي يربط آسيا بأوروبا وإفريقيا، ويطل على البحرين المتوسط والأحمر، ويقع في قلب شبكة من الطرق التجارية التي تتجاوز أهميتها حدود الإقليم.
من المؤكد أن أجندة زيارة الرئيس الصيني الى القاهرة لا تقتصر على التعاون في المجال الاقتصادي، فالزيارة تفتح المجال أمام دفع التعاون في قطاعات البنية التحتية والطاقة والصناعة والتكنولوجيا، وهي مجالات تمثل الصين فيها شريكاً مهماً بالنسبة إلى مصر، التي تسعى بدورها إلى جذب المزيد من الاستثمارات وتنويع مصادر التمويل والشراكات الدولية.
لكن البعد السياسي للزيارة يبدو أكثر أهمية في ظل التطورات المتسارعة التي تشهدها المنطقة، فملفات غزة والبحر الأحمر والسودان، إلى جانب قضايا الأمن الإقليمي والتجارة الدولية، تجعل من مصر طرفاً لا يمكن تجاوزه في أي مقاربة تتعلق بالشرق الأوسط والبحر الأحمر والقرن الإفريقي، وعليه تستطيع بكين الاستفادة من الثقل السياسي المصري وعلاقات القاهرة المتشعبة مع مختلف الأطراف الإقليمية والدولية.
زيارة الرئيس الصيني إلى القاهرة تأتي في إطار مسعى صيني أوسع للانتقال من موقع الشريك الاقتصادي إلى موقع الفاعل السياسي والدبلوماسي، ومع ذلك، لا يعني تعاظم الشراكة المصرية- الصينية بالضرورة انتقال القاهرة إلى محور صيني في مواجهة الولايات المتحدة أو القوى الغربية، حيث إن مصر تتبع سياسة تقوم على تنويع الشراكات والحفاظ على هامش واسع من الحركة في علاقاتها الدولية، بما يسمح لها بالاستفادة من الصين اقتصادياً وتكنولوجياً، مع استمرار علاقاتها الاستراتيجية مع الولايات المتحدة وأوروبا ودول الخليج وغيرها.
من الواضح أن زيارة الرئيس الصيني إلى القاهرة تحمل رسالة واضحة، مفادها أن الصين لا تبحث فقط عن طريق إلى الأسواق، وإنما عن موقع داخل معادلات المنطقة، فهل تتمكن السياسة من الدخول بعد أن فتح الاقتصاد لها الباب؟
أسرة التحرير









