يبدو أن الاعتماد على اقتصاد القيمة المضافة لم يعد مجرد مقترح أو خياراً أمام النهوض بالاقتصاد الجديد لسوريا وفق ما أكده الباحث الاقتصادي د. عامر خربوطلي، موضحاً في تصريح لـ”الوطن” أن القيمة المضافة تعد من أهم الأسس التي يمكن أن يبنى عليها اقتصاد التعافي والنمو.. فالمعادلة لم تعد تتعلق بكمية ما تنتجه سوريا من قطن أو زراعات أو مواد أولية، وإنما بكمية القيمة التي تستطيع إضافتها إلى هذه الموارد قبل أن تصل إلى السوق المحلية أو تغادر إلى الأسواق الخارجية.
ولفت إلى أن اقتصاد القيم المضافة يعتبر في قلب المسار الاقتصادي السوري، باعتباره الطريق إلى زيادة الناتج المحلي والفردي، ورفع مستوى المعيشة، وتعظيم الاستفادة من الطاقات والموارد المادية والبشرية.
الفكرة تقوم على انتقال جوهري: من اقتصاد «يبيع ما يستخرجه» إلى اقتصاد «يبيع ما يصنعه ويبتكره». فكل مرحلة إنتاجية جديدة تضيف قيمة إلى المنتج، وكل خدمة أو تقنية أو تصميم أو علامة تجارية ترفع سعره النهائي، تعني أن جزءاً أكبر من العائد الاقتصادي يبقى داخل الاقتصاد السوري بدلاً من أن ينتقل إلى اقتصاد آخر أكمل عملية التصنيع.
القطن.. حين تكون الثروة في ما بعد الزراعة
وأضاف خربوطلي: إن تجربة القطن السوري نموذجاً واضحاً على حجم القيمة التي يمكن أن تضيع عندما يتوقف الاقتصاد عند بيع المادة الخام.
قبل تراجع إنتاج القطن لأسباب متعددة، بينها الجفاف، كانت سوريا تنتج نحو مليون طن، مقابل نحو 75 ألف طن حالياً. لكن الجزء الأكبر من إنتاج تلك المرحلة كان يصدر خاماً أو محلوجاً، فيما يذهب جزء أقل إلى الغزل والنسيج وصناعة الألبسة.
وحسب دراسة لسلاسل القيمة أعدتها جهة استشارية أوروبية، فإن مجموع القيم المضافة عبر سلسلة القطن، من الزراعة والحلج والغزل والنسيج وصولاً إلى الخياطة والتصدير كألبسة قطنية جاهزة، كان يعادل قيمة إنتاج سوريا النفطي في تلك المرحلة، عندما كان الإنتاج يبلغ نحو 300 ألف برميل يومياً.
وهنا تظهر أهمية الفكرة: الثروة ليست دائماً في المادة التي تنتجها سوريا، وإنما في عدد المراحل التي تستطيع تحويلها خلالها إلى منتج أعلى قيمة.
من المادة الخام إلى منتج يحمل المعرفة:
ولا يتوقف اقتصاد القيمة المضافة عند التصنيع – حسب الخبير -، إذ يشمل التكنولوجيا والابتكار والتصميم والتسويق والعلامات التجارية وخدمات ما بعد البيع، إلى جانب الاستثمار في رأس المال البشري والمهارات.
فالمنتج النهائي لا يحمل قيمة المادة التي صنع منها فقط، بل قيمة المعرفة والتقنية والهوية التجارية التي أضيفت إليه. وكلما ارتفعت هذه العناصر، ارتفعت قدرة الاقتصاد على تحقيق عوائد أكبر وخلق وظائف أكثر مهارة وتحسين تنافسية صادراته.
ويرى خربوطلي أن سوريا الجديدة تحتاج إلى الانتقال من اقتصاد يهدر جزءاً من قيمة موارده إلى اقتصاد يستخرج أقصى قيمة ممكنة منها؛ فزيادة الإنتاج وحدها لا تكفي إذا ظلت القيمة الأكبر تُصنع خارج البلاد.

هناء غانم
الوطن -
مواضيع:
المزيد
اخترنا لك
المزيد







