في خطوة اقتصادية غير مسبوقة، أعلن الرئيس السوري أحمد الشرع وحاكم مصرف سوريا المركزي عبد القادر حصرية أهمية القطاع الزراعي في الاقتصاد السوري وتأكيداً على أصالة الأرض السورية.
أما فئة الـ200 ليرة، فقد حملت رمز شجرة الزيتون، التي تمثل تاريخاً طويلاً ورمز الزراعة السورية، إضافة إلى الحصان العربي الذي يعد رمزاً للفخر الثقافي.
وفي السياق نفسه، شملت فئة الـ500 ليرة صورة عصفور الدوري مع سنابل القمح، تأكيداً لأهمية القطاع الزراعي في الاقتصاد السوري وتأكيداً على أصالة الأرض السورية.
من خلال هذه الرموز، أكد المستشار والخبير الاقتصادي د. زياد عربش في حديثه لـ”الوطن” أن الحكومة السورية قد اختارت تصميم العملة الجديدة بعناية لتبث رسالة دعم لقطاع الزراعة وتعزيز الانتماء الثقافي والوطني. لكن على الرغم من هذه الرمزية القيمة، فإن الفعالية الاقتصادية للعملة الجديدة ستعتمد في النهاية على استقرار السياسات النقدية والمالية، وليس فقط على التصميم والرمزية.
في هذا السياق، قدم عربش تحليلاً اقتصادياً يشمل دوافع القرار، والتحديات المرتبطة به، وسبل تحقيق استقرار اقتصادي طويل الأمد.
1- الدوافع الاقتصادية لاستبدال العملة: خطوة ضرورية في ظل الظروف الاقتصادية الراهنة
إن قرار استبدال العملة السورية يندرج ضمن محاولات حكومية لإصلاح الاقتصاد الذي يمر بمرحلة حرجة نتيجة للأزمة المستمرة منذ سنوات. يعد التضخم المفرط أحد أبرز التحديات الاقتصادية التي يواجهها السوريون، حيث تدهورت قيمة الليرة بشكل كبير أمام العملات الأجنبية، ما جعل التعامل مع الأموال اليومية أكثر صعوبة بسبب الأصفار المرتفعة التي تزين الأوراق النقدية.
من منظور اقتصادي، يعتبر استبدال العملة خطوة لتحسين فعالية النظام النقدي المحلي عبر تبسيط المعاملات اليومية، فإصدار فئات نقدية جديدة قد يسهم في تقليل الكتل النقدية المتداولة في السوق، ما يساعد على تقليل الطلب على النقد وضبط السيولة. ولكن على الرغم من هذه الدوافع الظاهرة، يبقى السؤال الأهم: هل ستكون هذه الخطوة كافية لتحفيز الاقتصاد الوطني؟
ويُنظر عربش إلى استبدال العملة كحل جزئي في مواجهة التضخم، لكن الجذور الحقيقية للأزمة لا تكمن فقط في الأصفار الزائدة، بل في السياسات النقدية والمالية الضعيفة التي كانت تُدار بها الأمور لعقود. إذاً، لن تكون العملة الجديدة إلا حلاً مؤقتاً ما لم تصاحبه إصلاحات هيكلية ونقدية أوسع.
2- تحديات تنفيذ القرار: الاقتصاد السوري لا يزال يواجه قيوداً هيكلية كبيرة
وأضاف إنه على الرغم من أن قرار استبدال العملة قد يبدو إيجابياً من منظور أولي، فإن التحديات التي يواجهها الاقتصاد السوري قد تجعل هذه الخطوة أكثر تعقيداً. النقطة الجوهرية التي يطرحها الدكتور أيوب هي أن استبدال العملة بحد ذاته لا يُعتبر علاجاً شاملاً للأزمة الاقتصادية. إن المشاكل البنيوية للنظام الاقتصادي السوري تتطلب إصلاحات هيكلية أعمق.
وعن التحديات قال عربش إنها تتمثل في السياسات النقدية التي اعتمدتها الحكومة السورية على مدار العقود الماضية، والتي تميزت بالتوسع غير المراقب في عرض النقود وتراكم العجز في الميزانية. هذه السياسات ساهمت في تفاقم التضخم وزيادة الطلب على العملات الأجنبية، ما جعل الاقتصاد المحلي ضعيفاً وغير قادر على مواجهة الصدمات الاقتصادية.
علاوة على ذلك، تواجه سوريا تحديات أخرى تتعلق بالقطاع المصرفي الذي يعاني من ضعف الرقابة وضعف البنية التحتية. وبالتالي، فإن الاستبدال البسيط للعملة دون إعادة هيكلة شاملة للقطاع المصرفي قد يؤدي إلى تزايد المضاربات على العملة الجديدة، ما يهدد استقرارها على المدى الطويل.
3- التأثير النفسي على التضخم: هل ستؤدي خطوة حذف الأصفار إلى استقرار الأسعار؟
إحدى الآمال المرتبطة بالقرار هي تقليل تأثير التضخم على الحياة اليومية للمواطنين السوريين. ولكن، كما يشير الدكتور أيوب، فإن حذف الأصفار من العملة لن يؤثر بشكل مباشر على القوة الشرائية للمدخرات أو على معدلات التضخم. في الواقع، تشير التجارب العالمية إلى أن تغييرات العملة غالباً ما تؤدي إلى ارتفاع الأسعار في بداية التطبيق بسبب “تأثير التقريب” الذي يؤدي إلى تعديل الأسعار لتتناسب مع الأرقام المستديرة في الفئات النقدية الجديدة.
على سبيل المثال، عندما نفذت تركيا في 2005 عملية حذف الأصفار من الليرة التركية، شهدت الأسواق ارتفاعاً في الأسعار لفترة قصيرة قبل أن تعود إلى استقرار نسبي. وبالمثل، قد يشهد الاقتصاد السوري زيادة مؤقتة في الأسعار، وهو ما يضيف عبئاً إضافياً على المواطنين الذين يعانون بالفعل من التضخم.
من المهم هنا أن نتذكر أن محاربة التضخم تتطلب أكثر من مجرد تغيير العملة. تحتاج سوريا إلى سياسات نقدية واضحة ومستدامة تهدف إلى تقليص معدلات التضخم من خلال زيادة الإنتاج المحلي، وتحفيز الاستثمارات، وتخفيض العجز المالي.






