لاقت مؤخراً التصنيفات الجديدة لعدد من الجامعات السورية اهتماماً كبيراً سيما بعد إدراج عدد من الجامعات السورية في مراتب متقدمة نسبياً على المستوى العربي.
جامعات حكومية مثل “دمشق”، برزت إلى جانب جامعات أخرى حكومية وخاصة في قائمة ضمّت مئات الجامعات والمؤسسات البحثية العربية، ليرتفع عدد الجامعات السورية المدرجة ضمن التصنيف العربي إلى ست جامعات، ما فتح باب النقاش مجدداً حول دلالة هذا الحضور وحدوده الأكاديمية الفعلية.
الباحث الأكاديمي مصعب الشبيب أكد في حديثه لـ”الوطن” أنه من الناحية المنهجية، لا يمكن التعامل مع أي تصنيف جامعي رصين على أنه إجراء شكلي أو قرار اعتباطي، ذاكراً أن التصنيفات المعتمدة، وإن اختلفت في أوزانها ومعاييرها، تستند إلى منظومات تقييم مركبة Evaluation Frameworks تشمل ” جودة العملية التعليمية Quality of Education، حجم ونوعية الإنتاج البحثي، مستوى التأثير العلمي Scientific Impact، السمعة الأكاديمية، والانخراط في خدمة المجتمع”، وهي معايير قابلة للقياس والمقارنة، وتعتمد في جزء كبير منها على بيانات موثقة من قواعد معلومات معترف بها.

جودة البرامج
وحسب الشبيب يحتل البحث العلمي مركز العطالة في هذه التصنيفات، إذ لا يُقاس فقط بعدد المنشورات، بل بمكان النشر، وعدد الاقتباسات Citations، وطبيعة الأبحاث (إجرائية أم تطبيقية )، كما تُؤخذ بعين الاعتبار جودة البرامج الأكاديمية، ونسبة الطلبة إلى أعضاء هيئة التدريس، واستقرار الكادر العلمي، مضيفاً: أما السمعة الأكاديمية، فهي مؤشر تراكمي يُبنى عبر سنوات من التفاعل العلمي، ويُقاس غالباً عبر استطلاعات رأي بين أكاديميين وخبراء.
وضمن هذا السياق، لا يقتصر المشهد على الجامعات الحكومية، إذ شهدت السنتان الماضيتان نشاطاً لافتاً لعدد من الجامعات الخاصة والناشئة في مجالات المؤتمرات والعلاقات الأكاديمية، حيث نظّمت جامعة إدلب مؤتمرات علمية تخصصية، من بينها المؤتمر العلمي الثاني لطب الأسنان، ووسّعت تعاونها الأكاديمي ضمن شبكات تعليمية إقليمية، مع تحسن واضح في مؤشرات حضورها الأكاديمي الرقمي، أما الجامعة الدولية للعلوم والنهضة، فقد ركزت على بناء علاقات دولية مباشرة International Academic Partnerships، عبر اتفاقيات تعاون علمي وأكاديمي مع جامعات مثل جامعة ميزوري في الولايات المتحدة وجامعة الخرطوم، إلى جانب مشاركات أكاديمية مع مؤسسات تعليمية أوروبية، في إطار دعم البحث العلمي والأنشطة التطبيقية.
نشاط نوعي
بالمقابل اتجهت جامعة المعارف للعلوم التطبيقية إلى تعزيز حضورها البحثي من خلال رعاية واستضافة مؤتمرات علمية متعددة التخصصات، أبرزها المؤتمر الدولي متعدد التخصصات في علوم المعلومات وإدارة البحوث والعلوم الاجتماعية IMCISMRSS ، وهو نمط شائع لدى الجامعات الحديثة الساعية لتأسيس شبكة أكاديمية إقليمية ودولية.
ويُسجل أيضاً نشاط نوعي لـ جامعة الشام العالمية، التي رعت قبل أسابيع مؤتمراً علمياً تخصصياً أُقيم في فندق شهبا بمدينة حلب، إضافة إلى تعاونات بحثية مع خبراء بريطانيين في إنجاز أبحاث إجرائية وتطبيقية، نُشر بعضها في مجلات علمية محكمة Peer-reviewed Journals .
ولفت الشبيب، إلن أن عدداً من أكاديميي الجامعة حصل على الزمالة البريطانية في التعليم العالي FHEAبالتعاون مع منظمة CARA البريطانية، المعنية بدعم الأكاديميين المعرضين للخطر عالمياً، وهو مؤشر مهم على الانفتاح الأكاديمي والتطوير المؤسسي.
تحديات
وأضاف: مع ذلك، فإن القراءة العلمية الهادئة تفرض عدم الخلط بين الظهور في التصنيف والتموضع المتقدم عالمياً، فمعظم الجامعات السورية لا تزال تواجه تحديات بنيوية تتعلق بضعف التمويل البحثي Research Funding، ومحدودية البنية التحتية المخبرية، وضآلة المشاركة في المشاريع البحثية الدولية الكبرى.
واللافت حسب حديث الباحث الأكاديمي، هو قدرة بعض هذه الجامعات على تبني استراتيجيات بديلة، مثل التركيز على البحث التطبيقي، وبناء شراكات نوعية، والاستثمار في تطوير الكادر الأكاديمي، كوسائل عملية لتحسين الأداء ضمن هوامش الواقع المتاح.
وأكد أن القيمة الحقيقية للتصنيف لا تكمن في الرقم بحد ذاته، بل في كونه أداة تشخيص، فهو يكشف مكامن القوة والضعف، ويفرض على الجامعات الانتقال من منطق ردّ الفعل إلى منطق التخطيط الأكاديمي طويل الأمد
واعتبر أن تحويل أي تقدم تصنيفي إلى مسار مستدام يتطلب سياسات جامعية واضحة، واستثماراً حقيقياً في البحث العلمي والجودة، بعيداً عن المقاربات الدعائية.
وختم الشبيب بالقول: إن التصنيف الأخير حمل إشارات إيجابية، لكنه في الوقت نفسه يضع الجامعات السورية أمام اختبار جدي إما التعامل مع التصنيف بوصفه إنجازاً عابراً، أو اعتباره نقطة انطلاق لإعادة بناء منظومة التعليم العالي على أسس علمية قادرة على الصمود والمنافسة.
إنجاز كبير
هذا ويظهر تواجد الجامعات السورية في مختلف التصنيفات والترتيب الذي حصلت عليه وخاصة “دمشق” وعدد من الجامعات، يظهر المنافسة الشديدة فيما بينها، ويعكس الجهود المبذولة لتحسين جودة التعليم العالي في البلاد، ويعتبر إنجازاً كبيراً، يُظهر التزامها بتقديم تعليم عالي الجودة، كما يعكس هذا التقدم أيضاً التحسينات التي تم إدخالها على البرامج الأكاديمية، وتطوير المناهج لتلبية احتياجات السوق ومتطلبات العصر.








