تنتهي اليوم مهلة الأيام الأربعة التي منحتها الدولة السورية لتنظيم «قسد» من أجل القبول بالاندماج الكامل ضمن مؤسسات الدولة ووقف إطلاق النار، وفتح صفحة جديدة تُنهي حالة الاستثناء المسلح في شمال وشرق البلاد، غير أن الوقائع الميدانية والسياسية تشير بوضوح إلى أن قوات «قسد» على عادتها لم تغير أسلوبها ولا تفي بالتزام ولا ترغب في الشراكة الوطنية.
فبدلاً من تقديم رد رسمي على اتفاق 18 من الشهر الجاري الذي وقعه الرئيس أحمد الشرع، لجأت «قسد» إلى التحشيد العسكري، ونظمت عرضاً عسكرياً استفزازياً، في رسالة مباشرة برفض الاتفاق، أو على الأقل التهرب من استحقاقاته، والأخطر من ذلك، هو ما أكدته مصادر ميدانية عن دخول مئات المسلحين من العراق وإيران، من التنظيمات المرتبطة بحزب العمال الكردستاني الإرهابي، إلى جانب استقبال فلول من نظام الأسد البائد، ما يكشف أن القرار داخل «قسد» لا يُصنع ضمن اطرها، بل في جبال قنديل، وبإملاءات خارجية تتناقض كلياً مع مفهوم الدولة السورية الواحدة.
بالمقابل، كان الموقف الرسمي السوري واضحاً وحاسماً، إذ نفى مصدر في وزارة الخارجية والمغتربين بشكل قاطع أي تمديد للمهلة، كما أكد مسؤولون سوريون لرويترز و«فايننشال تايمز» أن الدولة لم تتسلم أي رد من «قسد» بشأن الدمج أو حتى ترشيح نائب لوزير الدفاع، رغم المرونة العالية التي أبدتها دمشق، بل إن «قسد» حاولت فرض شروط تجعل الاندماج مستحيلاً، في سياسة مكشوفة للمماطلة وكسب الوقت.

هذا السلوك لم يعد يثير قلق الدولة السورية وحدها، بل أغضب أطرافاً دولية أيضاً، وهو ما نقلته «فايننشال تايمز» عن دبلوماسي غربي: إن «قسد» أظهرت أنها غير موثوقة في إدارة السجون، وأن تخليها عنها ومخاطرتها بفرار عناصر تنظيم «داعش» أثار غضب الجميع، فضلاً عن توجه الإدارة الأميركية والمجتمع الدولي لدعم الدولة السورية، في مؤشر على تبدل المزاج العالمي تجاه هذا التنظيم.
وميدانياً، تتعزز المؤشرات الخطرة مع إرسال «قسد» تعزيزات عسكرية ضخمة إلى أطراف حي غويران والرميلان، وحشود بالأسلحة الثقيلة في الحسكة والقامشلي وعين العرب، في ظل اقتراب انتهاء المهلة، ما ينذر بمخاطر حقيقية على المدنيين، ويعيد طرح سيناريو العمل العسكري خياراً مطروحاً بقوة إذا استمر تعنت هذا التنظيم، وخاصة أن فشل هذا الاتفاق سيكون الثالث خلال ثلاثة أشهر.
وفي هذا السياق، يكتسب بيان أهلي صادر عن مسيحيي سوريا دلالة عميقة، إذ حملوا الأحزاب الانفصالية المرتبطة بـ«بي كي كي» المسؤولية الكاملة عن أي تهديد يطول مكونات الحسكة والقامشلي، محذرين من الزج بالمسيحيين وبمقدساتهم في صراعات عابرة للحدود، كما أعاد البيان التذكير بحقيقة أساسية: سوريا اليوم، بعد تحررها شبه الكامل، أثبتت أنها دولة لكل مكوناتها، وأن حقوق الجميع – عرباً وكرداً ومسيحيين – مصانة بالقانون، لا بالسلاح.
ومن هنا، تبقى الكرة اليوم في ملعب «قسد»، إما الالتحاق بمشروع الدولة السورية، أو الإصرار على دور وظيفي آيل للسقوط، في لحظة إقليمية ودولية لم تعد تتسامح مع الكيانات المسلحة الخارجة عن منطق الدولة.
الوطن








