تشهد الأسواق المحلية ضغوطاً تضخمية متصاعدة امتدت لتشمل سلة الاستهلاك اليومي بجميع تفاصيلها، من المنتجات الزراعية والخضروات إلى السلع الغذائية الأساسية ومواد التنظيف، وفق تسارع ملحوظ دفع بأسعار بعض السلع لترتفع بما يتجاوز عتبة الـ 40% ما يعكس اختلالاً واضحاً وإن كان في جزء منه مدفوعاً بارتفاع سعر الصرف وتكاليف الإنتاج وسلاسل الإمداد يبقى معظمه مبالغ فيه بشكل كبير، ما يضع القوة الشرائية للمستهلك أمام تحدٍ اقتصادي صعب يتطلب تحليلاً دقيقاً لمسبباته وآليات كبحه.
أستاذ إدارة الأعمال في كلية اقتصاد حلب الدكتور خليل حمدان يرى أنه في سوريا، لا يحتاج المواطن إلى متابعة سعر الصرف ليعرف أنه ارتفع، بل يكفي أن يذهب إلى السوق، لكن المشكلة أن هذا المنطق يعمل في اتجاه واحد فقط: الأسعار ترتفع مع الصرف، لكنها لا تنخفض معه.
وأوضح أستاذ الاقتصاد أن ما يحدث ليس تفصيلاً عابراً، بل خلل بنيوي في طريقة انتقال أثر سعر الصرف إلى الأسعار، الزيادات تنتقل فوراً إلى المستهلك، بينما تتأخر الانخفاضات أو تختفي، والنتيجة سوق تتعامل مع الأخبار السيئة بسرعة، وتتجاهل أي تحسن.

وأضاف: في هذا السياق، يتكرس ما يمكن وصفه بعناد سعري، إذ يكفي توتر سياسي أو تذبذب محدود في سعر الصرف لرفع الأسعار، لكن استقرار هذه العوامل لا يكفي لخفضها، معتبراً أن جزءاً من هذا السلوك مفهوم، ويرتبط بارتفاع درجة عدم اليقين واعتماد تسعير تحوطي، لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول هذا التحوط إلى قاعدة دائمة لا استثناء.
وبيّن حمدان أنه هنا لا يعود التفسير نقدياً فقط، بل يصبح هيكلياً، فضعف المنافسة وارتفاع درجة التركّز في بعض الأسواق يمنحان القدرة على تثبيت الأسعار عند مستويات مرتفعة، بغض النظر عن التكاليف الفعلية، والسوق في هذه الحالة لا يعكس الواقع، بل يفرضه.
ولفت حمدان إلى أنه ومع تصاعد التوترات في الممرات المائية العالمية، أصبح “التضخم المستورد” التفسير الأكثر استخداماً لرفع الأسعار، لكن المشكلة ليست في وجوده، بل في غياب أي معيار محلي يحدد متى يكون هذا التضخم حقيقياً، ومتى يتحول إلى مبرر جاهز في غياب الشفافية حيث تختلط التكلفة الحقيقية بالسلوك الانتهازي، ويدفع المستهلك الثمن في الحالتين.
على مستوى السياسة النقدية، شدد على أنه لا يمكن إنكار وجود خطوات مهمة، أبرزها مشروع استبدال العملة الذي أنجز أكثر من 56% من الكتلة النقدية، إضافة إلى التوجه نحو إنشاء بورصة دمشق الإلكترونية لتنظيم سوق الصرف، لكن هذه الإجراءات، رغم أهميتها، لم تصل بعد إلى السوق.
ويرى حمدان أن السبب لا يعود فقط إلى الفجوة الزمنية في انتقال أثر السياسات، بل إلى وجود قيود تمنع هذا الانتقال من الأساس، موضحاً أن احتكار بعض حلقات التوريد، وضعف أدوات الرقابة، وغياب التسعير المبني على التكلفة الفعلية، كلها عوامل تجعل أي تحسن نقدي يبقى محصوراً في الأرقام، لا في الأسعار.
وأكد أستاذ الاقتصاد أنه لم يعد مقبولاً الاكتفاء برقابة تلاحق السعر النهائي، بينما تبقى بنية التكاليف خارج أي تدقيق، فالمطلوب رقابة ذكية تربط السعر بالتكلفة، وتكشف الفجوة بينهما، و كما أن كسر حلقات الاحتكار في السلع الأساسية لم يعد خياراً، بل ضرورة لعودة المنافسة الحقيقية إلى السوق.
ويرى حمدان أنه وبالتوازي مع ذلك يصبح نشر مؤشرات شفافة حول تكاليف الاستيراد والشحن خطوة أساسية لضبط التسعير، لا مجرد إجراء شكلي، مع ضرورة ربط السياسة النقدية بسياسات سوقية مرافقة وهو الشرط الوحيد لتحويل استقرار سعر الصرف إلى استقرار فعلي في الأسعار.
وختم حمدان بالقول: في سوريا، لم تعد المشكلة في ارتفاع الأسعار بل في قدرتها على البقاء مرتفعة مهما تغيرت الظروف، وهذه ليست مشكلة سوق فقط، بل اختبار حقيقي لمدى قدرة السياسات الاقتصادية على الوصول إلى حياة الناس، لا الاكتفاء بتحسين المؤشرات، لأن السوق، ببساطة، لا يصدق الأرقام… بل يصدق ما يلمسه المواطن.








