في ظل التحولات الاقتصادية التي تشهدها سوريا، تبرز المشاريع الصغيرة والمتوسطة بوصفها حجر الأساس في إعادة تنشيط الاقتصاد الوطني، ليس فقط لدورها في خلق فرص العمل، بل أيضاً لقدرتها على تحفيز الابتكار وتعزيز الإنتاج المحلي، .وانطلاقاً من أهميتها جاء المرسوم رقم 69 لعام 2026 ليُشكّل نقطة تحوّل في مسار دعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة في سوريا، من خلال حزمة إعفاءات ضريبية ورسومية تستهدف إعادة إحياء آلاف المنشآت المتضرّرة.
ولا يمكن قراءة هذا المرسوم بمعزل عن الأهمية الاستراتيجية لهذا القطاع، الذي يُشكّل العمود الفقري للاقتصاد الوطني، إذ يسهم بنسبة كبيرة في الناتج المحلي الإجمالي، ويوفّر شريحة واسعة من فرص العمل، إلى جانب دوره الحيوي في تحفيز الابتكار وتنشيط الأسواق المحلية.
ويعكس هذا التوجه الحكومي إدراكاً متزايداً بأن التعافي الاقتصادي لا يمكن أن يتحقّق من دون تمكين هذه المشاريع، التي تمثّل الأداة الأكثر مرونة في مواجهة الأزمات، والأقدر على إعادة تدوير عجلة الإنتاج، رغم ما تواجهه من تحدّيات تمويلية وتشغيلية وهيكلية معقدة.

وفي هذا السياق، يسلّط الخبير الاقتصادي إيهاب اسمندر الضوء على الأهمية الاستراتيجية لهذا القطاع، مستعرضاً في حديثه لـ”الوطن”واقعه الراهن، وأبرز التحديات التي تعترضه، والفرص التي يمكن البناء عليها لتحقيق نمو اقتصادي مستدام.
أهمية استراتيجية تتجاوز الأرقام
لم يعد دور المشاريع الصغيرة والمتوسطة محل نقاش، إذ تشير التقديرات إلى مساهمتها بنحو 65 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي في سوريا، ما يعكس وزنها الحقيقي في الاقتصاد. كما تستوعب هذه المشاريع شريحة واسعة من القوى العاملة، حيث يعمل نحو 29 بالمئة من السوريين في المشاريع الصغيرة، و14 بالمئة في المشاريع المتوسطة.
ولا تقتصر أهميتها على الجانب التشغيلي فحسب، بل تمتد لتشمل دورها في نقل التكنولوجيا وتوطينها، إضافةً إلى كونها إحدى أبرز أدوات الحد من الفقر.
ويؤكد اسمندر، استناداً إلى دراسات سابقة، أن امتلاك مشروع صغير يرتبط بشكل عكسي مع احتمالية الوقوع تحت خط الفقر، ما يعزّز مكانة هذا القطاع كوسيلة فعالة لتحقيق الاستقرار الاجتماعي.
تجارب دولية ملهمة
الاهتمام بالمشاريع الصغيرة والمتوسطة ليس محلياً فقط، بل يمثّل سمة مشتركة للاقتصادات المتقدّمة مثل الولايات المتحدة وألمانيا واليابان، حيث أُعطي هذا القطاع دوراً محورياً في دعم النمو الاقتصادي وتعزيز الابتكار.
ويشير ذلك إلى أن تطوير هذا القطاع في سوريا ليس خياراً، بل ضرورة لمواكبة النماذج الاقتصادية الناجحة عالمياً.
فرص واعدة رغم التحدّيات
وأشار إلى أن المعطيات تشير إلى وجود توجّه حكومي متزايد لدعم هذا القطاع، يتجلّى في تعدّد الجهات التمويلية، بما في ذلك المصارف المتخصّصة مثل “الوطنية” و”إبداع” و”بيمو”، إلى جانب بعض المصارف التقليدية. ورغم أن هذه الخطوات لا تزال في إطار الدعم الجزئي، إلا أنها تمثّل أرضية يمكن البناء عليها لتحسين بيئة الاستثمار.
كما أن انخفاض الكلفة الاستثمارية للمشاريع الصغيرة يجعلها مدخلاً مثالياً لروّاد الأعمال، وخصوصاً في ظل محدودية رأس المال، ما يفتح الباب أمام شريحة واسعة من الشباب للدخول في سوق العمل.
تحدّيات هيكلية تعوق النمو
ويرى اسمندر أنه، رغم الفرص المتاحة، يواجه قطاع المشاريع الصغيرة والمتوسطة في سوريا مجموعة من التحدّيات المعقدة، تأتي في مقدّمتها صعوبة التمويل، حيث تشير البيانات إلى أن نحو 88 بالمئة من هذه المشاريع لا تستفيد من التمويل المصرفي، وتعتمد بدلاً من ذلك على المدّخرات الشخصية أو مصادر غير رسمية.
كما تُشكّل تكاليف الطاقة ونقصها عبئاً إضافياً، إلى جانب مشكلة نقص العمالة المؤهلة، حيث تعاني أكثر من 53 بالمئة من المشاريع من صعوبات في تأمين الكوادر البشرية المناسبة، رغم ارتفاع معدلات البطالة.
ولا تقف التحدّيات عند هذا الحد، إذ يعاني نحو 43 بالمئة من المشاريع من نقص في المعدّات وقطع الغيار، فيما تواجه أكثر من 72 بالمئة منها صعوبات تسويقية تحدّ من قدرتها على الوصول إلى الأسواق والتعريف بمنتجاتها.
إضافة إلى ذلك، تُشكّل الإجراءات الإدارية المعقّدة عقبة حقيقية، حيث قد تستغرق عملية الترخيص أكثر من عام، ما يثني العديد من المستثمرين عن العمل ضمن الإطار الرسمي.
غياب الاستراتيجية هو التحدّي الأكبر
من أبرز الإشكاليات التي أشار إليها اسمندر، غياب استراتيجية وطنية متكاملة لتنمية هذا القطاع، وهو ما يؤدي إلى تشتّت الجهود وعدم وضوح الأهداف، سواء على المستوى الكمي أم النوعي، فضلاً عن غياب مؤشرات قياس الأداء والتنسيق بين الجهات المعنية.
المرسوم 69 لعام 2026.. خطوة نحو التعافي
في خطوة لافتة، جاء المرسوم الرئاسي رقم 69 لعام 2026 ليشكل تحولاً مهماً في دعم المنشآت المتضررة، حيث يستهدف أكثر من 30 ألف منشأة تجارية وصناعية وسياحية. وينص المرسوم على تشكيل لجان متخصصة لتقدير الأضرار ومنح إعفاءات ضريبية قد تصل إلى 100بالمئة لمدة عام للمنشآت التجارية، وعامين للمنشآت الصناعية والسياحية التي تجاوزت نسبة الضرر فيها 75 بالمئة.
ويُنظر إلى هذا المرسوم على أنه خطوة غير مسبوقة في مسار التعافي الاقتصادي، لما يحمله من دعم مباشر لإعادة تشغيل المنشآت وتحفيز الإنتاج.
خلاصة
يمثل قطاع المشروعات الصغيرة والمتوسطة في سوريا ركيزة أساسية لأي استراتيجية اقتصادية مستقبلية، غير أن تحقيق الاستفادة القصوى منه يتطلب معالجة التحديات الهيكلية التي تعترضه، وعلى رأسها التمويل، والطاقة، والبيئة التنظيمية، إلى جانب ضرورة وضع رؤية وطنية شاملة لتطويره.
وفي ظل المبادرات الحكومية الأخيرة، وعلى رأسها المرسوم 69، تبدو الفرصة متاحة لإعادة إحياء هذا القطاع الحيوي، شرط أن تتكامل الجهود بين السياسات العامة واحتياجات السوق، بما يضمن تحقيق نمو اقتصادي مستدام وشامل.








