سوريا تدين استهداف أراضي البحرين والكويت والأردن بطائرات وصواريخ مصدرها إيران وتؤكد أنّ أمن واستقرار الدول العربية جزء لا يتجزأ من أمن واستقرار المنطقة ككل

البعثات الدبلوماسية والقنصلية الإفريقية في سوريا تحتفل بيوم إفريقيا

وزير الزراعة يبحث مع سفير الإمارات التعاون وفرص الاستثمار الزراعي

إنذار بإخلاء مدينة صور اللبنانية وسط نزوح كثيف وسقوط ضحايا

عاجل – مقر خاتم الأنبياء الإيراني يعلن وقف الهجمات على إسرائــيل

المزيد

‫آخر الأخبار:‬

من الانشقاق إلى إعادة البناء: حين تستعيد الدبلوماسية السورية ذاكرتها السيادية

‫شارك على:‬
20

لم تعد خطوة وزارة الخارجية والمغتربين بإعادة تعيين الدبلوماسيين المنشقين عن نظام الأسد البائد إجراءً إدارياً قابلاً للإدراج في سجلات التعيين فحسب، بل غدت إعلاناً سياسياً كثيف الدلالة عن استعادة الدولة لذاكرتها الدبلوماسية، بعد سنوات من التشويه والتفريغ الممنهج.

ففي التجارب الدولية الراسخة، لا تُقاس قوة الدول بقدراتها الصلبة وحدها، بل بمدى قدرتها على استدعاء خبراتها المتراكمة، وإعادة تدويرها ضمن سياق مهني جديد يفرض أولوياته وشروطه.

وقد شكلت انشقاقات السلك الدبلوماسي السوري، ولا سيما تلك التي ارتبطت بأسماء وازنة، لحظة مفصلية في مسار الثورة، إذ لم تكن مجرد اعتراضات فردية أو مواقف احتجاجية عابرة، بل عبرت عن تصدع عميق داخل البنية الأخلاقية للنظام البائد ذاته، كما كان ذلك انحيازاً واعياً إلى فكرة الدولة لا إلى سلطتها، وإلى المجتمع لا إلى أجهزته.

ومن هنا، فإن إعادة استيعاب هذه الكفاءات اليوم لا تمثل عودة أشخاص إلى مواقعهم، بقدر ما تعكس عودة معيار مهني–أخلاقي غاب طويلاً عن بنية القرار الدبلوماسي في السنوات الماضية.

وبعد نحو عام على سقوط النظام البائد وتحرير دمشق، تتبدى عودة الدبلوماسيين المنشقين ضمن سياق مغاير جذرياً: سياق إعادة بناء الدولة بوصفها فاعلاً سيادياً، لا ساحة نفوذ، حيث إن إعادة توزيع هذه الكفاءات على عواصم محورية – من واشنطن إلى بروكسل، ومن فيينا إلى أنقرة – لا يمكن قراءته إلا باعتباره تعبيراً عن إدراك عميق لطبيعة المرحلة، بعد تحول الدبلوماسية من وظيفة تمثيلية إلى أداة اشتباك سياسي ناعم، وإلى خط دفاع أول عن الأمن الوطني بمفهومه الشامل.

وخلال العام المنصرم، نجحت الدبلوماسية السورية في إحداث تحول نوعي في موقع البلاد ضمن شبكة العلاقات الدولية، فكسرت تدريجياً طوق العزلة الذي فرضه عليها النظام البائد، وشرعت في إعادة تموضع محسوب داخل التوازنات الإقليمية والدولية، وكأن وزارة الخارجية أعادت تعريف ذاتها: من جهاز بروتوكولي هامشي إلى مؤسسة سيادية منتجة للسياسة.

في هذا السياق، تكتسب إعادة تعيين الدبلوماسيين المنشقين دلالة مركبة، فهي من جهة، استثمار في رأسمال بشري راكم خبرة عميقة في إدارة العلاقات الدولية، ومن جهة أخرى، تكريس لقاعدة أخلاقية جديدة في بنية الدولة: إن الانحياز للشعب لا يُقصي من الدولة، بل يؤهل للمساهمة في إعادة بنائها.

والأهمية الأعمق لهذه الخطوة تكمن في إدماج شخصيات دفعت أثماناً مهنية وشخصية نتيجة مواقفها، فالدبلوماسي هو صانع توازنات وحارس مصالح ومهندس علاقات طويلة الأمد، وعندما تقترن هذه الوظيفة بخبرة الانشقاق، بما تنطوي عليه من اختبار قاسٍٍ للضمير والقرار، فإننا نكون أمام نموذج جديد للدبلوماسية: دبلوماسية تدرك كلفة الصمت، وتعي أن الحياد في لحظات الانهيار ليس فضيلة، بل تواطؤاً مؤجلاً.

وبالتالي فإن إعادة بناء أدوات التمثيل الخارجي، بما في ذلك تأهيل الكوادر عبر الشراكات الدولية وتفعيل المعهد الدبلوماسي، لا تنفصل عن هذا التوجه الأشمل، فالدولة التي تستعيد سفراءها المنشقين، إنما تستعيد قدرتها على مخاطبة العالم بلغة جديدة: لغة تقوم على الشرعية والتوازن والانفتاح المسؤول.

وأخيراً، تبدو تعيينات الدبلوماسيين المنشقين، ليست مجرد حركة نقل في سجل الوظائف، بل هي إعادة تموضع للدبلوماسية السورية في ذاتها قبل العالم، كما أنها رسالة واضحة مفادها أن الدولة الجديدة، قادرة اليوم على إعادة بناء نفسها بخبرة أبنائها، وخبرة من تمردوا على الخطأ.

الوطن- أسرة التحرير