توفي الممثل المصري عبد الرحمن أبو زهرة، في وقت متأخر من يوم أمس، عن عمر يناهز 92 عاماً، مختتماً مسيرة فنية بالغة التنوع والغنى، في مجالات المسرح، والسينما، والدراما الإذاعية والتلفزيونية.
وأعلن نجله أحمد خبر وفاته قائلاً: “صعدت روحه الطاهرة إلى السماء.. مات من علمني أن الدين معاملة وليس مظاهر فقط، من علمني أن قول كلمة الحق سيف على الرقبة مهما كانت العواقب، أن الشرف والأمانة والصدق والاجتهاد هي سمات الإنسان الشريف مهما كانت التحديات، ومهما كان الزمن ضده، مات الفنان المناضل من أجل القيمة والأخلاق، عاش حياته كلها يعلي من القيم الإنسانية العظيمة في كل أعماله الفنية.. من علمني أن الرجل والفنان هو كلمة وموقف.. مات الأب، والظهر، والسند، والمعلم، والقدوة”، وطلب أحمد من محبي والده الدعاء له بالرحمة والمغفرة”.
كما نعتت نقابة المهن التمثيلية في مصر، أبو زهرة، في بيانٍ جاء فيه: “رحل جسدٌ أثرى الفن العربي بأعمال خالدة، وسيبقى اسمه حاضراً في وجدان جمهوره، وتاريخ الفن المصري والعربي”.

ما يميّز تجربة عبد الرحمن أبو زهرة ليس فقط تنوعها، بل التزامها بالقيمة الفنية، فقد تعامل مع الفن كرسالة، لا مجرد مهنة، هذه الفلسفة جعلته مدرسة قائمة بذاتها، تركت أثراً خالداً في وجدان الجمهور، وستظل أعماله شاهداً على موهبة نادرة صنعت تاريخاً من الإبداع.
وُلد عبد الرحمن أبو زهرة عام 1934 في محافظة “دمياط”، حيث تشكّلت ملامح وعيه الأولى، قبل أن ينتقل إلى القاهرة ويلتحق بالمعهد العالي للفنون المسرحية، ليتخرج عام 1958.
ورغم بداية مهنية بعيدة عن الأضواء داخل “وزارة الحربية”، فإن شغفه بالفن كان أقوى، فاختار طريق المسرح لينضم إلى المسرح القومي عام 1959، ويبدأ رحلته الحقيقية.
على خشبة المسرح، صاغ أبو زهرة ملامح مشروعه الفني، فقد برز في أعمال مثل مسرحية “عودة الشباب”، التي كشفت مبكراً عن موهبة استثنائية.
وخلال سنوات قليلة، أصبح أحد أبرز نجوم المسرح الجاد، مقدّماً أكثر من 100 عرض، جمع فيها بين العمق الفكري والإحساس العالي، ما جعله أحد أعمدة المسرح المصري.
مع انتقاله إلى الشاشة الصغيرة، نجح في ترسيخ اسمه كأحد أهم نجوم الدراما، خاصة من خلال دوره الأيقوني في مسلسل “لن أعيش في جلباب أبي”، أمام نور الشريف، فقدم شخصية “المعلم سردينة” بعمق إنساني لافت.
كما شارك في أعمال بارزة مثل: “الملك فاروق، العميل 1001، سمارة، أستاذ ورئيس قسم، العراف، عابد كرمان”، وظل حضوره مستمراً ومتجدداً حتى بعد تجاوزه السبعين، في دليل واضح على قدرته الاستثنائية على التطور.
في السينما، لم يكن الحضور مرتبطاً بحجم الدور، بل بعمقه، فقد شارك في أفلام مثل: “الجزيرة، حب البنات، بئر الحرمان، تيتة رهيبة”، وفي كل ظهور، كان قادراً على ترك بصمة خاصة من خلال تفاصيل أدائه الدقيقة.
واحدة من أهم محطات تميزه كانت في عالم الأداء الصوتي، فقد ارتبط صوته بشخصيات خالدة في أفلام “ديزني”، فقدّم شخصية “جعفر” في مسلسل “علاء الدين”، وشخصية “سكار” في مسلسل “الأسد الملك”، ليصبح صوته جزءاً أصيلاً من ذاكرة الطفولة لدى أجيال كاملة.
قبل أن يعرفه الجمهور على الشاشة، كان للإذاعة دور كبير في صقل موهبته، فقد قدّم أعمالاً مستوحاة من الأدب العالمي، واستطاع بصوته المتميز أن يمنح النصوص حياة خاصة، ليصبح من أبرز أصوات العصر الذهبي للإذاعة.








