بعد سنواتٍ طويلة من القحط والألم في سوريا، جاء مطرُ الخير كأنه بشارة عودة الحياة من جديد، فارتوت التربة العطشى، واخضرّت الحقول، لكن الأهم أنّ النفوس تنفّست شيئاً من الطمأنينة، وبدا المطر وكأنّه يغسل آثار السنوات الثقيلة.
من ناحية ثانية، ورغم قسوة الشتاء وبرودته، فإنه يظلّ ملاذاً دافئاً للشعراء، يجدون فيه مساحةً رحبة للتأمل والبوح، ففي صمت الليالي الماطرة، وصوت الرياح وهي تعزف ألحانها الحزينة، يمنحهم الشتاء تلك العزلة التي يحتاجونها ليصغوا إلى أصواتهم الداخلية، فيحوّلون البرد القارس إلى كلماتٍ نابضة، والغيوم الثقيلة إلى صورٍ شعرية مفعمة بالجمال.
هكذا، يصبح الشتاء، رغم قسوته، فصلاً يزهر فيه الإبداع، وتولد فيه القصائد من رحم الصمت والبرد، وقد تغنّى بالشتاء والمطر أكبر الشعراء العرب منذ العصر الجاهلي إلى العصر الحديث.

ثلاث قصائد
بعنوان: “لا وسيلة للتدفئة سوى أن أحبك”، يصف الشاعر الكبير نزار قباني نفسه بفصل الشتاء كتقلباته وحبه المجنون العاصف لمحبوبته، فيقول:
وأنا أيضاً أريد أن أكون في عشقي
شتائياً وانقلابياً وعاصفاً
فمع امرأة استثنائية مثلك
لا يمكنني إلا أن أكون استثنائياً، ومع عاشقة مجنونة مثلك، لا يمكنني أن أبقى محارباً على أرض منزوعة السلاح
لا يقلقني الثلج ولا يزعجني حصار الصقيع
فانا أقاومه حيناً بالشعر، وحيناً بالحب، فليس عندي وسيلة أخرى للتدفئة سوى أن أحبك
أو أكتب لك قصيدة حب.
وفي قصيدة أخرى بعنوان “حبيبة وشتاء” يقول شاعر دمشق:
جهنمي الصغيرة.. لا تخافي
فهل يطفي جهنم.. مستطيع؟
فلا تخشي الشتاء ولا قواه
ففي شفتيك يحترق الصقيع
وفي قصيدة ثالثة بعنوان “حقائب الدموع والبكاء” يقول الراحل الكبير:
إذا أتى الشتاء..
وحركت رياحه ستائري
أحس يا صديقتي
بحاجة إلى البكاء
على ذراعيك..
على دفاتري..
إذا أتى الشتاء
وانقطعت عندلة العنادل
وأصبحت..
كل العصافير بلا منازل
يبتدئ النزيف في قلبي.. وفي أناملي
كأنما الأمطار في السماء
تهطل يا صديقتي في داخلي..
عندئذ.. يغمرني
شوق طفولي إلى البكاء..
على حرير شعرك الطويل كالسنابل..
كمركب أرهقه العياء
كطائر مهاجر..
يبحث عن نافذة تضاء
يبحث عن سقف له..
في عتمة الجدائل..
إذا أتى الشتاء..
واغتال ما في الحقل من طيوب..
وخبأ النجوم في ردائه الكئيب
يأتي إلى الحزن من مغارة المساء
يأتي كطفل شاحب غريب
مبلل الخدين والرداء..
وأفتح الباب لهذا الزائر الحبيب
أمنحه السرير.. والغطاء
أمنحه.. جميع ما يشاء
أحب الشتاء
بدوره، يقول الشاعر الفلسطيني محمود درويش واصفاً الشتاء أجمل وصف في قصيدته “أحب الشتاء”:
كُنْتُ في ما مضى أَنحني للشتاء احتراماً
وأصغي إلى جسدي. مَطَرٌ مطر كرسالة
حب تسيلُ إباحيَّةٌ من مُجُون السماء.
شتاءٌ. نداءٌ. صدى جائع لاحتضان النساء.
هواءٌ يُرَى من بعيد على فرس تحمل
الغيم… بيضاءَ بيضاءَ. كنت أُحبُّ
الشتاء، وأَمشي إلى موعدي فرحاً
مرحاً في الفضاء المبلِّل بالماء. كانت
فتاتي تنشِّفُ شعري القصير بشعر طويل
تَرَعْرَعَ في القمح والكستناء. ولا تكتفي
بالغناء: أنا والشتاء نحبُّكَ، فابْقَ
إذاً مَعَنا! وتدفئ صدري على
شادِنَيْ ظبيةٍ ساخنين. وكنت أُحبُّ
الشتاء، وأسمعه قطرة قطرة.
مطر، مطر كنداءٍ يُزَفَ إلى العاشق:
اهطلْ على جسدي!… لم يكن في
الشتاء بكاء يدلُّ على آخر العمر.
كان البدايةَ، كان الرجاءَ. فماذا
سأفعل، والعمر يسقط كالشَّعْر،
ماذا سأفعل هذا الشتاء؟
على وقع المطر
وأبدعت الشاعرة العراقية نازك الملائكة في وصف المطر والتغنّي به من خلال قصيدة طويلة حملت عنوان “على وقع المطر” وتقول فيها:
أمطري، لا ترحمي طيفي في عمق الظلام
أمطري صبّي عليّ السيل، يا روح الغمام
لا تبالي أن تعيديني على الأرض حطام
وأحيليني، إذا شئت، جليداً أو رخام
اتركي ريح المساء الممطر الداجي تجنّ
ودعي الأطيار، تحت المطر القاسي، تئنّ
أغرقي الأشجار بالماء ولا يحزنك غصن
زمجري، دوّي، فلن أشكو، لن يأتيك لحن
أمطري فوقي، كما شئت، على وجهي الحزين
لا تبالي جسدي الراعش، في كفّ الدجون
أنشودة المطر
وفي قصيدة “أنشودة المطر” يقول الشاعر العراقي بدر شاكر السياب حيال الشتاء والمطر:
أتعلمين
أيَ حُزنٍ يبعث المطر
وكيف يشعُرُ الوحيدُ فيه بالضَّياع
كأنَّ طِفلاً باتَ يهذي قبل أن ينام
بأن أُمَّه التي أفاقَ مُنذُ عام.. فلم يجدها
ثُم حين لجَّ في السؤال
قالوا له: بعدَ غدٍ تعود.. لابدَّ أن تعود
فتستفيقُ مِلءَ روحي نشوةُ البُكاء
ورعشةٌ وحشيةٌ تُعانِقُ السَّماء
كرعشةِ الطِفلِ إذا خافَ مِن القمر
مطر.. مطر.. مطر








