وزير الخارجية أسعد الشيباني: سنقوم اليوم بافتتاح السفارة السورية في المملكة المغربية، وننتظر زيارة وزير الخارجية المغربي إلى دمشق لافتتاح السفارة المغربية فيها

وزير الخارجية المغربي: سنشهد إعادة فتح سفارة سوريا في المغرب كدليل على عودة العلاقات إلى طبيعتها بعد توقف لأكثر من 10 سنوات

رئيس الجمعية الفلكية السورية لـ “الوطن”: تشير الحسابات الفلكية لعام 2026 إلى أن عيد الأضحى المبارك (1447 هـ) يوافق يوم الأربعاء 27 أيار

وزارة الداخلية تعلن إحباط محاولة لتهريب كمية كبيرة من حبوب الكبتاغون إلى الأردن، وضبط 142 ألف حبة كبتاغون إلى جانب مناطيد هوائية مزودة بأجهزة لتحديد مسارها عن بعد

الرئيس أحمد الشرع يتلقى دعوة لحضور قمة حلف شمال الأطلسي “الناتو” المزمع عقدها في العاصمة التركية أنقرة في تموز المقبل.

مصدر خاص لـ “الوطن”: رفع العقوبات الأوربية عن وزارتي الدفاع والداخلية وليس عن الوزيرين كما نُشر في وسائل الإعلام

إدارة الإعلام والاتصال في وزارة الدفاع لـ “الوطن”: استشهاد اثنين من جنود الجيش العربي السوري وإصابة عدد آخر، جراء استهداف غادر من قبل مجهولين لباص مبيت غرب صوامع العالية بريف الحسكة

الرئيس أحمد الشرع بحث في قصر الشعب بدمشق مع رئيس مجلس الوزراء اللبناني نواف سلام سبل تعزيز العلاقات الثنائية وتطوير التعاون الاقتصادي والتجاري

مصدر أمني: القبض على جلال عبد الحميد المالح الملقلب بالطحان والمتورط بقتل ملازم منشق وتسليم قيادي من حركة أحرار الشام

وزير الاتصالات وتقانة المعلومات عبد السلام هيكل: التعاون مع “فيزا” و”ماستر كارد” يعزز تطوير البنية المالية الرقمية وفق المعايير العالمية

المزيد

‫آخر الأخبار:‬

هندسة المعرفة: دماغ الذكاء الاصطناعي ومفتاح إنقاذ المكتبة الوطنية السورية من الضياع الرقمي

‫شارك على:‬
20

ماذا لو أخبرك أحدهم أن مخطوطاً عمره ألف عام، يرقد على رفٍّ في مستودعٍ داخل المكتبة الوطنية السورية، ينتظر مَن يوقظه من سباته؟

ماذا لو كان هذا المخطوط لا يحتاج إلى قارئ يقلب أوراقه، بل إلى شيفرة سرية تنقل رسوم حروفه إلى منطقٍ حيٍّ؟

هذا ليس مقطعاً من روايةِ خيالٍ علميٍّ عن أسرار الماضي، إنَّه السؤال المحوريُّ الذي تطرحه اليوم هندسة المعرفة، ذلك التخصُّص الذي يقف على الحدود الفاصلة بين المنطق الرياضيِّ والذكاء الاصطناعيِّ والفلسفة القديمة.

وفي أعماق المكتبة الوطنية السورية، حيث نجد ما يقرب من (19500) مخطوط و(3600) كتاب نادر وعشرات آلاف الدوريات والأطروحات والكتب المتنوعة، يتحول هذا السؤال الخياليُّ إلى ضرورة وجودية، فإما أن تمنح هذه الكنوز عقلاً يفهمها، أو تبقى أسيرة الصور الرقمية الصامتة، ككنوزٍ مدفونةٍ لا أحد يستطيع فتح أبوابها.

لطالما اعتمدت المكتبات على “الرقمنة” التقليدية التي تعني تحويل الورق إلى صورٍ رقميَّةٍ صامتةٍ، وفي الحقيقة فإنَّ هذه الصور تحمي المقتنيات من التلف المادي، لكنها عاجزةٌ تماماً عن الإجابة عن أسئلة جوهرية مثل: من هو ناسخ هذا المخطوط؟ ما العلاقة التي تربط هذا الكتاب بآخر؟ ما الآراء الفلسفية الواردة في صفحة محددة؟ هنا يأتي دور هندسة المعرفة التي تقدم حلّاً مختلفاً جذرياً، حيث يهتم هذا المجال التقني بتحويل الخبرات البشرية والقواعد المنطقية والتراث المكتوب إلى لغة رسمية يفهمها الحاسوب، بحيث لا يقتصر دوره على العرض والتخزين، بل يتعداه إلى الفهم والاستنتاج والربط، وبعبارة أبسط: “الرقمنة التقليدية تعطي الحاسوب عينين ليرى المخطوطة، أما هندسة المعرفة فتمنحه عقلاً ليفهمها”.

لتحقيق هذا التحول، تمر المكتبة بثلاث مراحل منهجية، المرحلة الأولى تُعرف باستخلاص المعرفة، وهي عملية منظَّمة يتم خلالها استخراج القواعد والمفاهيم من الخبراء البشريين كالمؤرخين والمحققين ومن المخطوطات نفسها، أما المرحلة الثانية فتكمن في بناء ما يسمى بـ”الأنطولوجيات”، والتي تعني تصميم هيكل المعرفة من خلال تحديد المفاهيم وربطها ضمن السياق المعرفي، فهي البنية التحتية التي تحول الذكاء الاصطناعي من مجرد أداة معالجة بيانات إلى نظام قادر على فهم سياق المعرفة التي يعمل فيها، وهي أشبه بشجرة تصنيف عملاقة ودقيقة، تحدد مثلاً أن “دمشق” هي “مدينة” وهي أيضاً “عاصمة” وأن “بلاد الشام” هي “منطقة”، وتضبط العلاقة بينهما بأنها علاقة “احتواء أو تضمين”، أما المرحلة الثالثة فهي صياغة قواعد الاستدلال، وهي قواعد منطقية بسيطة من نمط “إذا كان هذا.. فإن ذاك”.

بهذه الأدوات الثلاث يمكن تحويل المكتبة من مستودع صامت إلى نظام خبير قادر على الإجابة عن الاستفسارات المعقدة تلقائياً.

على سبيل المثال فقد تم إنشاء مركز متخصص يعرف باسم مركز “توثيق التراث الحضاري والطبيعي” في مكتبة الإسكندرية، ولم يكتف هذا المركز بالرقمنة التقليدية لمخطوطات مصر وتراثها المادي وغير المادي، بل ذهب إلى أبعد من ذلك بكثير، حيث قام فريق المركز ببناء “أنطولوجيات” متخصصة لتنظيم العلاقات بين المفاهيم التراثية المختلفة، مثل ربط موقع أثري باسمه التاريخي، وبالعهد الزمني الذي ينتمي إليه، وبالمواد المستخدمة في بنائه، وحتى بالأساطير أو القصص الشعبية المرتبطة به، وتم بعد ذلك صياغة قواعد استدلال عناصر ببعضها البعض، ما أتاح للمركز تقديم معارضَ رقميَّةٍ تفاعليَّةٍ ونظامٍ ذكيٍّ للباحثين لا يعرض الصور فقط، بل يجيب عن أسئلة معقدة مثل: “ما علاقة هذا المخطوط بموقع أثري بعينه؟” أو “كيف تغير وصف هذه المنطقة عبر العصور؟”.

غير أن التحول إلى الذكاء الاصطناعي في هذا المجال يحمل معه خطراً حقيقياً يعرف بالهلوسة، حيث لا نصف  مرضاً نفسياً هنا، وإنما نتكلم عن ظاهرةٍ معروفةٍ في نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي، حيث تنتج هذه النماذج معلومات خاطئة تماماً مع تقديمها بثقة عالية، كما يحدث أحياناً مع برامج الدردشة الآلية الشهيرة.

ولتجنب هذه الكارثة في مجال المخطوطات والتراث، لا بد من تغذية أي نظام ذكي بقواعد معرفية صارمة مصممة على أيدي مهندسي معرفة سوريين يدركون خصوصية التراث المحلي، بعيداً عن النماذج العامة المدرَّبة على نصوصٍ عالميَّةٍ لا تتكلم بلسان حضارتنا ولا تفهم أبعادها الثقافية والفكرية.

ثمة بوادر مشجعة للنهوض بهذا المجال على المستوى الوطني، حيث تعمل المكتبة الوطنية على تنفيذ استراتيجية مدروسة للتحول الرقمي، وفي سبيل ذلك يتم التحضير لعقد أول مؤتمرٍ تخصصيٍّ للمكتبات السورية تحت شعار: “الذكاء الاصطناعي وإعادة تشكيل المعرفة”.

لكن هذه المبادرات وحدها لا تكفي، ولا بد من التفكير جدياً بإنشاء أقسامٍ متخصصةٍ لهندسة المعرفة داخل جميع الهياكل المعرفية والثقافية الوطنية، ولا بد من التعاون مع الجامعات السورية لتدريب كوادر شابة على أدوات مثل “الأنطولوجيات” وقواعد الاستدلال.

إن مستقبل المكتبات لم يعد يقاس بعدد المخطوطات التي تمتلكها، بل بقدرتها على تحويل هذه المخطوطات إلى أنظمة ذكاء اصطناعي قابلة للتفسير، أي أنظمة لا تقدم إجابات غامضة، بل تشرح للمستخدم المنطق الذي بنت عليه كل إجابة.

في ختام هذه الرؤية، تبدو هندسة المعرفة بمثابة جسر غير مستكشف بعد يربط بين التراث المخطوط وتقنيات المستقبل، حيث تمثل هذه الأفكار فرصةً مفتوحةً للنقاش المشترك بين جميع الأطراف المعنية بما فيها المكتبة الوطنية السورية والجامعات ومراكز البحوث والمهتمين بالذكاء الاصطناعي.

ليس المطلوب قراراتٍ آنيةً، بل بناء تصور استراتيجي واضح ومتكامل حول كيفية تحويل هذه الكنوز الصامتة إلى أنظمة معرفية ذكية، مع الحفاظ الكامل على خصوصية التراث وهويتنا، لأن حماية الذاكرة الوطنية مسؤولية مشتركة لا تنهض بها مؤسسة واحدة، ولعل في فتح هذا المجال للنقاش الجماعي ما يثري الرؤية ويبعدها عن أي إملاءات أحادية، ويجعل من هندسة المعرفة مشروعاً وطنياً جامعاً لا تقنياً فحسب.

الوطن – سعيد حجازي

المدير العام للمكتبة الوطنية السورية