الوطن- أسرة التحرير
ترحيب دولي لافت، وتصريحات لقادة ومسؤولين متسارعة؛ فيها الكثير من الرومانسية البعيدة عن الواقعية السياسية، بخصوص اللقاء الذي جمع وفدي لبنان وإسرائيل في واشنطن، لدرجة يخال للقارئ والمتابع، أن الخلاف بين الجانين هو حول حقيقة هل (الفلافل والتبولة) تراث إسرائيلي أم لبناني، فيظن القارئ أن توقيع اتفاق السلام بين الجانبين بات قاب قوسين أو أدنى، ليبقى السؤال الجوهري هل ما يرويه رخام القاعات الدبلوماسية، ذاته ما يصرخ به تراب أرض المعارك.
لا شك أن اللقاء بين الجانبين يشكل بحد ذاته، وبشكل مجرد من اي نتائج إشارة إلى أن اللعبة الإقليمية تتغير، وأن لبنان يقف اليوم أمام مفترق طرق صعب بين القناعة الوطنية والضغوط الواقعية.

والذي يراقب المشهد يرى أن الدولة اللبنانية تحاول استعادة زمام المبادرة في إدارة ملف التفاوض، بعيداً عن التأثيرات الخارجية، بما فيها النفوذ الإقليمي، والإيراني خاصة، عبر وكيله في لبنان حزب الله، الذي يسعى دائماً إلى ربط المصالح الوطنية اللبنانية بمصالح طهران، ويعمل دائماً إلى أخذ البلاد رهينة لتنفيذ أجندات سيده الإيراني، حيث دائماً ما يتخذ قرار الحرب مع إسرائيل لمجرد أن طهران تعلن ذلك، دون أي حساب لنتائج الدمار والقتل التي تنال الأراضي اللبنانية كافة.
السؤال الأهم الذي يطرحه هذا اللقاء.. هل يجلس لبنان على طاولة التفاوض لأنه مقتنع بمصلحة وطنية استراتيجية، أم لأنه مضطر بفعل الحاجة والضغوط المحيطة؟
على الرغم من الطابع التمهيدي للقاء، فإنه يحمل دلالات رمزية قوية وقد يكون نقطة انطلاق لمسار تفاوضي طويل، إلا أن هذا المسار لن يكون سهلاً، آذا ما تجاوز اللقاءات الأولى.
تتردد في قاعات السياسة، كلمات مثل “السلام”، و”المفاوضات”، و”الاستقرار الإقليمي”، كما لو كانت شعارات يمكن تكرارها بلا أثر على الأرض، لكن خارج هذه القاعات، وفي الجنوب اللبناني، تتحدث الأرض بلغة أخرى؛ لغة المعارك، النزوح، الدمار، والذكريات التي لا تمحى بسهولة.
في حقيقة الأمر فإن أي نقاش عن السلام بين لبنان وإسرائيل لا يمكن فصله عن مرتكزات أساسية ثلاثة، وهي الإرادة السياسية الداخلية، الظروف الإقليمية والدولية، والذاكرة المجتمعية.
من المعروف أن تاريخ لبنان الحديث مليء بالاختلافات بين القوى السياسية والمذهبية، ما جعل أي خطوة نحو الحوار أو التطبيع شبه مستحيلة، حتى عند وجود قادة يتحدثون عن السلام، غالبا ما تتراجع تلك الخطوات أمام ضغوط الداخل والخارج، وكأن الخوف من فقدان القواعد الشعبية يفوق الرغبة في الاستقرار.
لا يمكن الحديث عن سلام في منطقة معقدة التوازنات كالشرق الأوسط بمعزل عن تأثير القوى الإقليمية والدولية، إذ إن الدعم الخارجي، التهديدات الأمنية، والمصالح الاقتصادية جميعها تلعب دوراً حاسماً في رسم حدود الممكن وغير الممكن، وأي مفاوضات تجري ضمن هذا الإطار ستكون محكومة بعوامل خارجة عن السيطرة المحلية، مما يزيد صعوبة التوصل إلى اتفاق متوازن.
وبين هذا وذاك يبقى الجنوب اللبناني، بما يحتويه من دمار وألم جراء الاعتداءات الإسرائيلية منذ عشرات السنين، عناصر تشكل الهوية الوطنية اللبنانية وترفض تجاهلها، ليبقى أي اتفاق سلام نظري على الورق، دون معالجة ألم الماضي والاعتراف بالمعاناة، ليبقى حبراً على ورقة بيضاء لا يحمي من عودة النزاع.
السلام ليس مجرد اتفاق بين حكومات؛ إنه عملية طويلة تبدأ بالاعتراف بالحقائق التاريخية والمعاناة، وتستمر بتقوية مؤسسات الدولة، وحماية المجتمع المدني، وخلق مناخ ثقة تدريجي. حتى ذلك الحين، سيبقى الحديث عن السلام في لبنان بين ما يقال في القاعات الرسمية وما يصدح به تراب المعارك؛ بين الوعد النظري والحقيقة الملموسة.








