في مساء الخامس والعشرين من أيار عام 2012، كانت بلدة تلدو في منطقة الحولة بريف حمص تعيش ساعاتها الأخيرة قبل أن تتحوّل إلى واحدة من أكثر البقاع السورية اقتراناً بالموت والدموع، هناك، وقعت مجزرة لا تزال حتى اليوم تختصر حجم الرعب الذي عاشه السوريون خلال حقبة النظام البائد، بعدما قُتل نحو 107 مدنيين، بينهم 49 طفلاً دون العاشرة من العمر وعشرات النساء، في مشهد هز الضمير الإنساني حول العالم.
الأطفال الذين قُتلوا في تلك الليلة لم يكونوا مقاتلين، ولم يحملوا سلاحاً، بل كانوا نائمين في أسرّتهم أو مختبئين في أحضان أمهاتهم حين اقتحمت قطعان الميليشيات وقوات جيش النظام المنطقة، بعد ساعات من القصف العنيف الذي استهدف الأحياء السكنية، كما أن كثير من الضحايا قُتلوا داخل منازلهم بالرصاص أو بأسلحة بيضاء، وفق شهادات ناجين وتقارير حقوقية وأممية صدرت لاحقاً.
وما جعل المجزرة أكثر إيلاماً أن صور الأطفال انتشرت سريعاً في وسائل الإعلام العالمية، لتتحوّل الحولة إلى عنوان رئيسي في نشرات الأخبار الغربية، يومها ضجت القنوات العربية والأوروبية والأميركية بمشاهد صفوف الجثامين الصغيرة الملفوفة بالأكفان البيضاء، بينما كانت وجوه الأطفال تبدو كأنها نائمة ببراءة، لا كضحايا قتل جماعي، وبعض الصور أظهرت آباء يحتضنون أبناءهم للمرة الأخيرة، وأمهات يصرخن فوق أجساد أطفالهن في مشاهد بقيت محفورة في ذاكرة السوريين والعالم.

صحف غربية وصفت ما جرى بأنه “مذبحة للأطفال”، فيما تحدّثت تقارير دولية عن “إعدامات ميدانية” وعمليات قتل تمت من مسافات قريبة، كما أثارت المجزرة حينها موجة غضب دولية واسعة، دفعت عدداً من الدول الأوروبية إلى طرد سفراء النظام البائد، وسط تصاعد الدعوات لمحاسبة المسؤولين عن الجريمة.
لكن خلف الأرقام والصور، بقيت الحكايات الإنسانية هي الأكثر قسوة، عائلات كاملة أُبيدت في تلك الليلة، وأطفال لم يتجاوزوا أعوامهم الأولى قُتلوا قبل أن يعرفوا معنى الحياة، وأمهات فقدن أبناءهن دفعة واحدة، وآباء خرجوا من بين الركام يحملون أجساد أطفالهم الصغيرة بأيدٍ مرتجفة وعاجزة عن استيعاب ما حدث.
ومع مرور 14 عاماً على المجزرة، لا تزال الحولة حاضرة بوصفها جرحاً مفتوحاً في الذاكرة الوطنية السورية، وخصوصاً مع استمرار اكتشاف المقابر الجماعية وملفات المفقودين والانتهاكات التي ارتُكبت خلال سنوات حكم النظام البائد، ويرى حقوقيون أن مجزرة الحولة تمثل واحدة من أبرز القضايا التي يجب أن تحظى بالأولوية ضمن مسار العدالة الانتقالية الذي تعمل عليه الدولة السورية الجديدة بعد التحرير.
الوطن – أسرة التحرير








