أكدت الشبكة السورية لحقوق الإنسان أن ملف الأسلحة الكيميائية في سوريا يدخل مرحلة مفصلية، مع بروز مؤشرات أولية على إمكانية ربط التوثيق المتراكم بمسارات مساءلة فعلية، في ظل تعاون متنامٍ من الحكومة السورية الجديدة مع منظمة حظر الأسلحة الكيميائية.
ووفق بيان للشبكة نشر، اليوم الاثنين، جاء ذلك خلال فعالية دولية عُقدت، في لاهاي الأربعاء الماضي، بتنظيم مشترك مع الممثلية السورية لدى المنظمة، وبرعاية أستراليا وألمانيا وفرنسا وهولندا وسويسرا، وبمشاركة دبلوماسيين وخبراء قانونيين وحقوقيين، لبحث سبل تحويل الأدلة إلى ملاحقات قضائية.
وحسب بيان الشَّبكة تم توثيق 222 هجوماً بالأسلحة الكيميائية في سوريا منذ أول استخدام موثّق في 23 كانون الأول 2012 وحتى 8 كانون الأول 2024، نفّذ نظام الأسد منها 217 هجوماً (نحو 98 بالمئة)، وأسفرت عن مقتل 1514 شخصاً، بينهم 214 طفلاً و262 امرأة، وإصابة 11,080 آخرين، فيما نفّذ تنظيم “داعش” الارهابي الهجمات الخمس المتبقية في محافظة حلب، وأسفرت عن إصابة 132 شخصاً.

وعلى الصعيد الأممي، وثّقت لجنة التحقيق الدولية التابعة للأمم المتحدة استخدام نظام الأسد للأسلحة الكيميائية 32 مرة على الأقل، في حين أكدت بعثة تقصي الحقائق التابعة لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية استخدام هذه الأسلحة في 43 حادثة من أصل 58 تم التحقيق فيها، في نمط يعكس استخداماً منهجياً من النظام و”داعش” لهذه الأسلحة، لا لتحقيق مكاسب عسكرية مباشرة، بل كأداة للترهيب الجماعي والتهجير القسري.
وسلّطت الفعالية الضوء على فجوة مزمنة بين وفرة الأدلة وغياب المحاسبة، نتيجة عوائق قانونية وسياسية، أبرزها تعطيل المسار الدولي، غير أن التطورات التي أعقبت نهاية 2024 تفتح نافذة مختلفة، مع إعلان الحكومة السورية الجديدة تعاونها مع منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، بما في ذلك الإقرار بولاية فرق التحقيق، والكشف عن عشرات المواقع المرتبطة بالبرنامج الكيميائي، بينها مواقع لم تكن معلنة سابقاً.
ووفق مصادر مواكبة لتطورات الملف، يُنظر إلى هذا التعاون بوصفه عنصراً حاسماً في نقل الملف من مرحلة التوثيق إلى المساءلة، خاصة إذا ترافق مع إتاحة الوصول إلى المشتبه بهم والوثائق، وفي هذا السياق، برز احتجاز اللواء عدنان عبود حلوة، أحد أبرز الضباط المرتبطين بهجمات الغوطة، كمؤشر عملي على إمكانية تحريك مسار المحاسبة، وما قد يوفره من معطيات حول التسلسل القيادي وآليات اتخاذ القرار.
وحسب إفادة المصادر لـ”الوطن”، يعكس الحراك الدولي الحالي محاولة لإعادة بناء مسار العدالة على قاعدة “الفرصة المتأخرة”، حيث لم يعد العائق نقص الأدلة، بل كيفية توظيفها قانونياً، ويبدو أن اختبار جدية المرحلة الجديدة سيتوقف على مدى تحويل التعاون المعلن إلى إجراءات قضائية فعلية تلتزم بالمعايير الدولية، وتمنع في الوقت نفسه أي محاكمات شكلية قد تقوّض فرص العدالة.
الشبكة السورية لحقوق الإنسان اختتمت بيانها بالتأكيد على أن تحقيق العدالة لضحايا الهجمات الكيميائية يتطلب سد الفجوة بين التوثيق والمساءلة، عبر تفعيل القضاء الوطني والدولي، وإدراج هذا الملف ضمن مسار عدالة انتقالية شامل يقوم على المحاسبة وكشف الحقيقة وجبر الضرر وضمان عدم التكرار.
الوطن – أسرة التحرير








