مما لا شك فيه، أن الجولة الأخيرة التي قام بها، الرئيس أحمد الشرع، على كل من السعودية وقطر والإمارات، تكتسب أهمية بالغة للناحية الاقتصادية، بحكم أنها جاءت في خضم تحولات جيوسياسية تعصف بممرات الطاقة والغذاء العالمية.
إلى جانب أهمية بعدها السياسي نظرا للظروف السياسية والأمنية بالغة الحساسية التي تمر بها المنطقة خصوصا دول الخليج العربي، تنبع أهمية الجولة من أنها تتزامن مع توجه الأنظار العالمية والإقليمية والعربية إلى سوريا، لجعلها ممراً استراتيجياً يربط خطوط إمدادات الطاقة والغذاء بين الدول العربية الخليجية ومن ثم تركيا وصولا الى أوروبا، مع تعطيل إيران حركة الملاحة في مضيق “هرمز” الحيوي، منذ اندلاع الحرب بينها وبين كل من الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل في أواخر شباط الماضي.
وفي ظل الابتزاز الإيراني المتعلق بمضيق “هرمز”، والجهود التي تبذل من أجل إيجاد ممرات برية بديلة آمنة ومستقرة تخفض تكاليف النقل وتعزز أمن الإمدادات وضمان استقرار أسواق الغذاء والطاقة عالمياً، من المرجح أن تكون خطط ومبادرات طٌرحت مؤخرا لتحويل سوريا إلى محور استراتيجي لربط خطوط الطاقة والغذاء بين الخليج والعراق من جهة، وتركيا وأوروبا من جهة أخرى، ومنها المبادرة الأميركية، ورؤية مستشار وزارة الاقتصاد والصناعة السورية أسامة قاضي التي أطلق عليها مبادرة (4+1)، شكلت محور المحادثات بين الرئيس الشرع وقادة السعودية وقطر والإمارات.

وما يشير إلى بداية ترجمة عملية من قبل الرياض لتلك الخطط، توقع وزير النقل والخدمات اللوجستية السعودي، صالح الجاسر، تزامنا مع قيام الرئيس الشرع بجولته، استكمال دراسة الربط السككي مع تركيا، مروراً بالأردن وسوريا قبل نهاية العام الجاري، بعدما قام العراق بذلك في بداية نيسان الجاري، من خلال بدء تصدير النفط الخام براً عبر الأراضي السورية، في مسعى للانعتاق من الابتزاز الإيراني، وتجاوز حالة الشلل التي ضربت ممرات التجارة البحرية التقليدية.
وإن كان بحث ومناقشة تلك الخطط والمبادرات بين القيادة السورية وزعماء دول خليجية جاء متأخرا نسبيا، إلا أنها طٌرحت والعمل بها بدأ بالظهور ما يعني عمليا انطلاق عملية التخلص من الابتزاز الإيراني.
والأهم من كل ذلك، هو ما سيجري من تحول استراتيجي في مسارات إمدادات الطاقة والغذاء الإقليمية، وعودة سوريا لتكون بوصلة العبور ومنصة التصدير الاستراتيجية لها، وما سيشكله ذلك من صمام أمان لاستقرار أسواق الطاقة العالمية وإخراج جزء كبير من تجارتها من دائرة المخاطر الجيوسياسية، خاصة تلك المرتبطة بمضيق هرمز، وبمعنى أوضح نقل العالم من اقتصاد مهدد بالاختناقات إلى اقتصاد مستقر متعدد المسارات.
الوطن – أسرة التحرير








