لم تكن قضية الشابة بتول علوش مجرد حادثة اجتماعية عابرة انتهت بتوضيح الحقائق، بل تحولت إلى نموذج كاشف لآلية عمل شبكة كاملة من التضليل الإعلامي التي ما زالت تحاول استثمار الجراح السورية وإثارة الفتن وبث الشائعات لتحقيق أهداف سياسية وأمنية تتجاوز بكثير حدود قصة فتاة أو عائلة.
الاعترافات الأخيرة التي صدرت عن ذوي بتول علوش، وما تضمنته من حديث عن وعود مالية وإغراءات بالهجرة إلى أوروبا وتوظيف قصتهم إعلامياً ثم التخلي عنهم لاحقاً، تضع الرأي العام أمام صورة أكثر وضوحاً لما جرى، فالعائلة التي تم تقديمها سابقاً باعتبارها شاهداً على “عملية خطف” مزعومة، خرجت اليوم لتقول إنها تعرضت للخداع والاستغلال والاحتيال، وأن جهات إعلامية مشبوهة أعطتهم وعوداً كبيرة ونسجت روايات كاملة ووظفتها ضمن حملة واسعة استهدفت الدولة السورية ومؤسساتها.
والمفارقة أن هذه القصة لم تكن الأولى، وربما لن تكون الأخيرة، ضمن سلسلة طويلة من الادعاءات التي انتشرت خلال الأشهر الماضية حول “خطف فتيات” في مناطق مختلفة من البلاد، ففي كل مرة كانت المنصات المرتبطة بفلول النظام البائد وبعض الجهات المتحالفة معها تسارع إلى إطلاق الاتهامات وإثارة الذعر المجتمعي قبل ظهور أي تحقيق أو دليل، ثم ما تلبث الوقائع أن تكشف شيئاً مختلفاً تماماً عن الرواية الأصلية.

وفي حالات عديدة تبين أن الفتيات غادرن منازلهن بإرادتهن الشخصية، وفي حالات أخرى ظهرن لاحقاً في أماكن مختلفة أو مع أشخاص يعرفونهم مسبقاً، بينما كشفت بعض الوقائع ارتباط الأمر بخلافات أسرية أو علاقات شخصية أو ظروف اجتماعية معقدة لا علاقة لها بالخطف المزعوم، بل إن بعض الحالات التي ضُخمت إعلامياً انتهت بظهور أصحابها أنفسهم في تسجيلات مصورة ينفون الروايات التي نُسجت حولهم، ومن أبرزها حالة إيفرا الصالح التي رُوج في البداية لتعرضها للخطف، لتظهر لاحقاً في فيديوهات بين عشرات الشبان وهي تحمل السلاح في صفوف “قسد”.
وما يستحق التوقف عنده ليس فقط سقوط تلك الادعاءات المتكررة، بل الطريقة التي تعاملت بها الدولة السورية معها، فبدلاً من تجاهل الشائعات، استنفرت الجهات الأمنية والقضائية والإدارية للتحقق من كل بلاغ وكل معلومة، وأجرت تحقيقات موسعة ولقاءات مباشرة مع المعنيين، وقدمت للرأي العام ما يثبت حقيقة الوقائع بالأدلة والشهادات المباشرة، وفي قضية بتول علوش تحديداً، ظهرت الفتاة بنفسها أمام وسائل إعلام وشخصيات اجتماعية معروفة، وأكدت أنها غادرت منزل أسرتها بإرادتها، كما نشرت مشاهد توثق حياتها الطبيعية بين الناس، ما أسقط الرواية التي جرى الترويج لها على نطاق واسع.
لكن الخطر الحقيقي في هذه الحملات لا يكمن فقط في نشر معلومات كاذبة، بل في استهداف السلم المجتمعي وإثارة المخاوف داخل المجتمع السوري، فحين يجري اللعب بمشاعر العائلات وبقضايا الشرف والعرض والكرامة، فإن الهدف يتجاوز تحقيق سبق إعلامي إلى محاولة ضرب الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة وإغراق المجتمع في مناخ من الشك والقلق الدائم.
قضية بتول علوش تعيد التأكيد مرة أخرى أن الحقيقة قد تتأخر أحياناً، لكنها في النهاية تظهر، كما تؤكد أن الاستثمار في الشائعات وصناعة القصص المفبركة لم يعد قادراً على الصمود طويلاً أمام الوقائع الموثقة والأدلة المباشرة، وبينما تتساقط رواية تلو أخرى، يبقى الدرس الأهم أن مسؤولية الإعلام ليست تأجيج المخاوف أو المتاجرة بمآسي الناس، بل البحث عن الحقيقة قبل إطلاق الأحكام، لأن الكذب قد يصنع ضجيجاً كبيراً، لكنه لا يستطيع أن يصنع واقعاً.
الوطن – أسرة التحرير








