في مرحلة التعافي الاقتصادي، تتحوّل المواقع التراثية من شواهد تاريخية إلى أدوات جذب استثماري تعكس صورة الاستقرار وإمكانات النمو.
وفي هذا السياق، شهدت محافظة طرطوس إطلاق فعاليات “موسم طرطوس السياحي 2026” بمشاركة الرئيس أحمد الشرع، في خطوة تضع الساحل السوري ضمن أولويات الاهتمام التنموي.
ويرى الدكتور عبد الرحمن محمد، أستاذ التمويل والمصارف في كلية الاقتصاد بجامعة حماة، أن المشاريع السياحية والبحرية على الساحل يمكن أن تولّد بين 30 و50 ألف فرصة عمل خلال خمس سنوات، شرط تأهيل العمالة المحلية عبر برامج تدريب مهني وتعليم اللغات وآداب الضيافة بالتعاون مع مؤسسات وفنادق دولية.
ويرى مراقبون أن تنشيط المشاريع السياحية في المنطقة الساحلية لا يقتصر على القطاع السياحي وحده، بل يمتد إلى النقل والتجارة والخدمات والصناعات الغذائية والحرف التقليدية.
كما يمكن لهذا النشاط أن يحسّن صورة البيئة الاستثمارية السورية ويعزّز جذب رؤوس الأموال ويخلق فرص عمل مستقرة.
ونوه محمد بأن جزيرة أرواد تمثل أكثر من موقع أثري، فهي رمز للتاريخ البحري والتجاري السوري، ويمكن أن تتحول إلى منصة رمزية لجذب الاستثمارات إذا جرى تطويرها ضمن رؤية تحافظ على هويتها التراثية والبيئية.
ويؤكد محمد أن أرواد لن تكون مركزاً صناعياً أو زراعياً، بل تصبح نموذجاً مصغراً يعكس قدرة سوريا على حماية تراثها وتطويره سياحياً، من خلال تنشيط السياحة الثقافية، وإنشاء فنادق صغيرة ومطاعم بحرية تراثية، ودعم الصناعات التقليدية البحرية، ما يسهم في الترويج للاستثمار في الساحل السوري ككل.
ويشدد على ضرورة التوازن بين التطوير والحفاظ على الطابع الأثري، عبر منع البناء الخرساني الجديد، والاكتفاء بترميم المباني القديمة بمواد تقليدية، ومنع دخول المركبات الآلية، وتحديد عدد الزوّار يومياً عبر نظام حجز إلكتروني، إلى جانب إنشاء مركز خدمات على البر المقابل ونقل الزوّار بقوارب كهربائية، ما يحافظ على الجزيرة كمتحف حيّ مفتوح.
ويعتبر أن نجاح أي استثمار في أرواد يبدأ أولاً باستكمال البنية التحتية الأساسية، وفي مقدمها محطة تحلية مياه، وشبكة صرف صحي مغلقة، وكابل كهرباء مدعوم بالطاقة الشمسية، إضافة إلى نظام متكامل لجمع النفايات ونقلها إلى البر.
وفي ما يتعلق بالإدارة، يقترح محمد نموذجاً تشاركياً تبقى فيه الأصول الأثرية للدولة، مقابل منح صلاحيات الإدارة اليومية لهيئة محلية تضم ممثلين عن الأهالي والدولة والقطاع الخاص، مع معالجة ملف الملكيات القديمة عبر حلول قائمة على الإيجار طويل الأجل أو الشراكة الاستثمارية بدلاً من المصادرة.
ويخلص إلى أن نجاح تجربة أرواد لا يرتبط بحجم الجزيرة، بل بقدرة الدولة على فرض معايير صارمة للاستدامة والشفافية قبل فتح باب الاستثمار، محذّراً من تحوّلها إلى نموذج عشوائي يفقدها قيمتها التراثية.
ويرى أن تأجيل أي استثمار مباشر لمدة 18 شهراً، ريثما تستكمل البنية التحتية والتشريعات اللازمة، قد يشكل الخطوة الأهم لتحويل أرواد إلى بوابة حقيقية لازدهار الساحل السوري.






