القدح والذم والتشهير والشتم جرائم مجرّمة قانونا لحفظ السلم المجتمعي، ولا تفرق بين مواطن وشخصية عامة أو مسؤول، فكرامة الناس واحدة في مشارق الأرض ومغاربها.
إزعاج المسؤول، أو رجل الاقتصاد، أو اللاعب الرياضي، أو النجم السينمائي لا يكون بالشتائم ولا بالتشهير ولا بالقذف. وظيفة الصحفي متابعته وتفنيد عمله ومكاشفة الجمهور. ملاحقة المسؤول وتتبع خططه ووعوده ومدى تطبيقها، ونقل رسائل الشارع وهمومه ومنغصاته وملاحظاته.
الأخبار والتقارير والتحقيقات الاستقصائية عمادها الحقائق والمقارنات وعرض جميع وجهات النظر والسياق والخلفيات وصولًا إلى الحقيقة. فهل من يملكها يحتاج إلى غيرها من قذف أو قدح أو تشهير؟ الحقائق القوية تحرك الرأي العام والسلطة القضائية على حد سواء.

ثمة سائل يعيد ويجادل: كيف كنا نقول أكثر من ذلك خلال الثورة؟ ألم ندفع مهر الحرية مسبقًا؟
في الجزئية الأولى، ثمة ظلم في المقاربة، وقد يكون غير مقصود. لكن الثورة، في أحد أوجهها، هي انهيار المنظومة القيمية والقانونية والسياسية، ومعها لا يمكننا اللجوء إلى ما انتفضنا عليه وثرنا لاستبداله وتغييره. فقوانين الحروب والثورات تختلف عن قوانين بناء الدولة والسلام. ثم إن النظام البائد كان قد أجمع المجتمع الدولي على إدانته وفضح جرائمه ووحشيته، فلا يُلام مكلوم إذا غضب وصرخ وشتم وهو يئن بجراحه وأوجاعه.
أما في جزئية السؤال الثاني، فإن نيل الحرية وتحقيقها يتمثل، في أحد جوانبه، بحمايتها من العابثين بها قصدًا أو جهلًا، ولا يعني شتم الناس والحط من كرامتهم. ففي الحرية قواعد توافق تعزز سلطة القضاء المستقل وتجعله الحكم في خلافات الناس ونيل حقوقهم. ثم إن تطبيق فكرة المهر كمبرر يعيد طرح سؤال آخر، وهو أن الخصام اليوم قد وقع بين الدافعين لمهرها، لا بين ضفة وأخرى.
الحرية التي دفع السوريون ثمنها دماً وتهجيرا واعتقالاً وسجوناً قضية عادلة، وعلينا ألا نوكلها إلى من لا يقدر على حملها، فيضيع الأمانات والحقوق والأمل. والشتم طالما أضاع الحقوق وحول العدل فجوراً.
وفي الحديث الشريف: «وهل يكب الناس في النار على وجوههم أو على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم».
كل واقعة تُنسب إلى مسؤول أو شخصية عامة أو مواطن وتمس شرفه أو نزاهته دون أن نستطيع إثباتها، تضعنا تحت طائلة التشهير.
وهذا سيحتم على المؤسسات الإعلامية والعاملين في مهنة المتاعب توخي الحذر والمعرفة القانونية، كما يفرض على الزملاء في اتحاد الصحفيين بذل جهود أكبر في تعريف الصحفي بحقوقه وواجباته، وتنظيم ورشات قانونية وحقوقية لحمايته وحماية المجتمع، إضافة إلى تدريبات وتشبيك مع المؤسسات الحقوقية، فقد ورثنا حياة مهنية لا يحكمها قانون، ولا نميز فيها، في العموم، بين المحاكم والمخافر وسلطات الأفرع الأمنية المتوحشة.
البعض يعاند تحت عناوين عامة، ويريد من المسؤول السوري مزيداً من التسامح بحجة الحريات وتقديسها، ضارباً بتحول الفضاء العام السوري عرض الحائط إلى حلبة مهاترات تمتد إلى جميع الناس في الخارج قبل الداخل.
كل الشواهد المتاحة تؤكد أن القوانين تحمي العاملين في الشأن العام من الشتم والتحريض والتشهير والقذف، بدءاً من الموظف العادي وصولًا إلى رئيس الجمهورية، الأمر ليس حكرا على سورية دون غيرها، كل الديمقراطيات الغربية، تضع قيودا قانونية على التشهير.
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب معروف بأنه من أكثر السياسيين استخداماً لدعاوى التشهير، سواء قبل الرئاسة أو خلالها. واشتهر بدعاوى عديدة ضد مؤسسات إعلامية وصحفيين بسبب مقالات وكتب اعتبرها مسيئة له.
أما المستشار الألماني فريدريش ميرتس فقد ارتبط اسمه بعدد من الشكاوى المتعلقة بالإهانات عبر الإنترنت. وتحدثت وسائل إعلام عن مئات الشكاوى التي قُدمت خلال سنوات عمله السياسي ضد تعليقات اعتبرها تشهيرية أو مهينة. كما أصدرت محاكم ألمانية أحكاما وغرامات في قضايا تتعلق بإهانات استهدفت شخصيات سياسية، معتبرة أن بعض العبارات المستخدمة لا تندرج ضمن النقد السياسي المشروع بل ضمن الإهانة الشخصية.
وبحسب صحيفة لوموند الفرنسية، فقد أدانت محكمة باريس في كانون الأول 2026 عشرة أشخاص بسبب حملة تحرش إلكتروني استهدفت بريجيت ماكرون ونشرت مزاعم كاذبة عنها.
كما اشتهر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بقضية رفعها هو وزوجته ضد معلقة أمريكية بسبب نشر مزاعم اعتبراها كاذبة ومسيئة، ووُصفت الدعوى بأنها من الحالات النادرة التي يقاضي فيها رئيس دولة أجنبية شخصية إعلامية أمريكية بتهمة التشهير.
ليس المطلوب من السوريين أن يصمتوا، ولا تقيد حريتهم، بل أن يتكلموا أكثر. ولا أن يجاملوا السلطة أو الشخصيات العامة، بل أن يراقبوها وينتقدوها ويحاسبوها. لكن بين النقد والتشهير، وبين الحرية والإساءة، وبين الاختلاف والتحريض، حدودا لا يجوز هدمها إذا أردنا بناء الدولة.
فالحرية التي انتُزعت بالتضحيات لا يحميها الصراخ، ولا تبنى بالشتائم، ولا بحملات التشهير، بل بقضاء مستقل، وإعلام مهني، ومواطن يعرف أن حريته تقف عند حدود حقوق الآخرين.







