لو لم تكن قضية فيضان نهر الفرات وطنية بتأثيراتها وتداعياتها، لدعوت مهنياً لاعتبارها شأناً محلياً، ومثلها امتحانات طلبة السويداء ومشكلات الري في الحسكة، وارتفاع أسعار الطاقة، وزيادة الرواتب.
وبحسب ما يُتداول، فإن وزارة الإعلام السورية تتجه إلى تخفيف الرسوم المالية بنسبة كبيرة دعماً للمبادرات الإعلامية في المحافظات، سواء عبر الإذاعات المحلية أم المنصّات الإلكترونية أو الصحف المحلية.
وهي خطوة تستحق النقاش والدعم، لأن الصحافة المحلية ليست ترفاً إعلامياً، بل جزءاً أساسياً من منظومة الإدارة والتنمية.

فالصحافة المحلية هي الأقرب إلى الناس والأقدر على التقاط مشكلاتهم اليومية.
وهي التي تراقب أداء البلديات والمؤسسات الخدمية، وتنقل احتياجات المواطنين، وتسلّط الضوء على المبادرات الناجحة والفرص الاقتصادية والثقافية في كل محافظة.
كما أنها تخفّف عبء الحمولة السياسية عن الإعلام المركزي.
ففي الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا ما زالت الصحف والإذاعات المحلية تؤدي دوراً رقابياً وخدمياً مهماً، رغم انتشار وسائل التواصل الاجتماعي.
كما أن كثيراً من القرارات الحكومية والخدمات العامة يتم تقييمها ومناقشتها عبر الإعلام المحلي قبل أن تجد طريقها إلى الإعلام الوطني.
تخفيف الحمولة عن المركز جزء من ثقافة الدولة وضروراتها، وكما تُعزّز السلطات المحلية من محافظين وقادة شرطة ونيابات عامة، يتوجّب تعزيز دور السلطة الرابعة وتعزيز حضورها ودورها عبر سلسلة محفّزات تبدأ بالتشجيع والتدريب ولا تنتهي بالتقدير.
حاجة حقيقية، لا ترفاً، وضرورة تنموية ومجتمعية لا تقل أهمية عن أي مؤسسة خدمية أو إدارية أخرى، وحتى في الحالة السورية الخارجة للتو من عهد الصمت والخوف، ثمة حاجة أكبر لحضورها، أقله لإنهاء الخلط بين السياسي والخدمي، وبين القضايا الوطنية ذات الشراكة على المستوى العام وبين القضايا المحلية، والتي لا تحتاج إلى ترندات “أين الدولة” و”أغيثونا”.
من حق الناس السؤال عمن يحدّد طبيعة القضايا المثارة، إن كانت محلية الطابع أم وطنية؟
التجربة، واليوميات، والمقاربات، ومستوى أداء مؤسسات الدولة، وقدرتها على التفاعل و”حلحلة” الأمور، وتقديم الخدمات المطلوبة؛ كلها تؤكد أن ثمة تدرجاً في القضايا المنظورة أمام الجهاز العدلي.
محاكم الصلح فالبداية، ثم الاستئناف، نهاية بمحكمة النقض.
الصحافة المحلية فيها شبيه وتماثل، فالقضية المثارة إن كان يمكن حلها عبر الوحدات الإدارية، فلماذا نذهب بها إلى مركز المحافظة؟ أليس الهدف هو الحل، أم إثارة الزوابع والهلع وتحريك الرأي العام على كل واقعة، صغرت أم كبرت؟
الصحافة المحلية وظيفتها اليومية زيارة الناس في قراهم ووحداتهم الإدارية، والاستماع إلى شكاوى الناس، ونقلها إلى السلطة الأعلى، والبحث اليومي عن رسائل تطمئنهم: “نحن صوتكم”.
لا فوارق بين صحفي محلي وقرينه في المركز، هذا وهم خلّقته الشهرة والفراغ والسلطات الرديئة.
الأصل في الصحافة معرفة الواقع والأرض التي تقف عليها والجمهور الذي تبتغي خدمته. فما قيمة وزير لا يعرف وزارته ومنشآتها وكوادرها وتفاصيل عملها لسنوات مضت وخطة المستقبل؟ سيرسب في أول امتحان علني. والصحفي مثله، فبقدر ما تعرف رسالتك ومهمتك وجمهورك وأين تقف ومتى تمضي، بقدر ما تراكم خبرات سابقة ومستقبلية تضمن النجاح والاستمرار، مركزياً أم فرعياً.
تنامي الاحتياجات في المحافظات السورية وتحدّياتها، تبرز معه الحاجة إلى صحافة محلية مهنية أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى.
فمشكلات دير الزور ليست هي ذاتها في طرطوس، وهموم درعا تختلف عن احتياجات دمشق أو حلب.
ومن هنا تأتي أهمية وجود منصّات إعلامية تعرف بيئتها وتفهم مجتمعها وتتحدّث بلغته وتنقل أولوياته.
ولا يمكن النظر إلى الصحافة المحلية باعتبارها مجرد وسيلة لنقل الأخبار، بل بوصفها شريكاً في بناء الاستقرار وتعزيز المشاركة المجتمعية وترسيخ ثقافة الحوار.
فهي تشجّع المبادرات الإيجابية، وتسلّط الضوء على النجاحات، وتطرح المشكلات بحثاً عن حلول، وتسهم في خلق جسور ثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة.
الحوار مع السائح والزائر للحسكة شمالاً، والمستثمر في حمص، مهمة تستحق “المانشيت” في الإعلام المحلي.
هذا يساعد على استقطاب المزيد، ويبعث الأمل والطمأنينة في نفوس الناس، ويعزّز فرص المستثمر المحلي وحضوره ويشعره بالتقدير في بيئته. والطبيب المتمكّن، والشاب المتطوّع، والمرأة المعلّمة، والمهندسة، والمربّية؛ الإعلام المحلي صوتهم جميعاً.
الأوطان لا تُبنى بالصوت الإعلامي الواحد، بل بتعدّد الآراء واتساع مساحة الحريات والمسؤولية، ودعم الصحافة المحلية ليس دعماً لمهنة فحسب، بل استثماراً في التنمية والاستقرار والإدارة الفعالة. فالدولة التي تمتلك إعلاماً محلياً حياً وقادراً على التعبير عن مجتمعاتها المحلية، تكون أكثر قدرة على فهم احتياجات مواطنيها، وتصحيح أخطائها، وبناء سردية وطنية جامعة تنطلق من الناس وتعود إليهم.
تجربة صحف المحافظات سابقاً (الفداء في حماة، الجماهير في حلب، العروبة في حمص، تشرين الفرات في دير الزور) تحتاج إلى التوسع لتشمل جميع المحافظات، وتصحيح ما علق بها من سياسة إعلام نظام الأسد، بطغيان صورته وأخباره المكرّرة عن إعلام المركز.
حتى أخبار المحافظين تحتاج دوماً إلى حاذق ومهني يعرف متى وأين وكيف وماذا ولماذا يضعها.
الصحافة المحلية ليست جديدة على سوريا، لكن للعهد الجديد موجبات أن ترى الناس مفاعيله في صحافتها المحلية، وتروى حكايتها ويومياتها، نجاحاتها وتعثرها بلسان إعلام يعيش معها لا زائراً متعجلاً.






