في ظل الانفتاح المعرفي الكبير الذي يشهده العالم اليوم، أصبحت الثقافة والاطلاع على تجارب الشعوب الأخرى من أبرز سمات العصر الحديث، وهو أمر إيجابي يسهم في توسيع المدارك وتعزيز الوعي الإنساني والفكري. غير أن هذا الانفتاح، رغم أهميته، يحتاج إلى قدر من الاتزان حتى لا يتحول من وسيلة للمعرفة إلى باب لفقدان الهوية والتنازل عن الثوابت.
لقد دعا الإسلام إلى العلم والمعرفة، وجعل طلب العلم من القيم الكبرى في حياة الإنسان، قال تعالى:
﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾،

وكانت أول كلمة نزل بها الوحي: ﴿اقْرَأْ﴾، في دلالة واضحة على مكانة المعرفة وأثرها في بناء الوعي والحضارة.
لكن الإشكال لا يكمن في الثقافة ذاتها، بل في الطريقة التي تُفهم بها أحياناً؛ إذ يخلط بعض الناس بين الانفتاح الفكري والذوبان الكامل في أفكار الآخرين، حتى يصبح التمسك بالقيم والأخلاق عند البعض صورة من صور “الانغلاق”، بينما يُقدَّم التنازل عن المبادئ على أنه تحضر أو تطور.
والثقافة الحقيقية لا تعني التخلي عن الهوية، ولا التنازل عن الثوابت الدينية والأخلاقية، بل تعني امتلاك القدرة على التمييز بين ما يفيد الإنسان وما يضره، وبين ما ينسجم مع قيمه وما يتعارض معها. فالإنسان الواعي يستطيع أن يقرأ ويتعلم وينفتح على العالم، دون أن يفقد توازنه أو يتحوّل إلى شخصية تذوب في كل تيار فتفقد هويتها أمام كل مؤثر خارجي.
وقد رسم الإسلام هذا التوازن بوضوح، حين دعا إلى الاستقامة والثبات على المبادئ، فقال تعالى:
﴿وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾.
إن المجتمعات لا تُبنى بعقول منغلقة تخاف من كل جديد، كما أنها لا تستقر بشخصيات تذوب في كل تيار فتفقد هويتها أمام كل مؤثر خارجي، بل تنهض بالإنسان المتزن الذي يجمع بين الانفتاح الواعي والثبات الأخلاقي، وبين المعرفة والهوية، وبين التطور والالتزام بالقيم.
فالثقافة الحقيقية لا تُقاس بكمية ما يقرؤه الإنسان فقط، بل بقدرته على المحافظة على وعيه واتزانه وهو يقرأ، وبقدر ما تضيفه المعرفة إلى أخلاقه ونضجه واحترامه لقيمه ومجتمعه.
ولهذا يبقى الثبات على المبادئ ليس عائقاً أمام الانفتاح، بل هو الضامن لأن يبقى هذا الانفتاح نافعاً ومتزناً، يثري الإنسان دون أن يقتلع جذوره أو يفقده هويته.
عطية العلي








