باريس- محمد العويد
أيقظت “حنية” السوريين و”طبطبتهم” أسئلة الفضول والدهشة، وبعدما “راحت السكرة وحلّت الفكرة”، أحاول فهمها بهدوء.
مئات التعليقات المُعزية، ومثلها “المُواسية”، وعشرات منها تسأل: “أين؟” وتلحقها بعبارة “معقول؟”، وهو ما أشعل، من حيث لا تقصد حمولتها، أسئلة الصحفي “المحقق”: ماذا؟ لماذا؟ كيف؟ أين؟

واقعة مكررة لمقيم في بلد أوروبي كفرنسا، تمثلت بسرقة “دواليب سيارتي” في وضح النهار، في إحدى ضواحي العاصمة الفرنسية باريس، وترك السارق “بلوكتين” رحمة بي وبها، فتحولت إلى مجرد هيكل متعب يستند إلى الأرض،. واختفى اللص بهدوء، وبدأت أنا “النبش” وتعب “البال “والأسئلة.
هل التعاطف مرتبط بالسياق الذاتي السوري للمهاجر أو اللاجئ؟ أم كما نقول في الصحافة: “الخبر السيئ ينتشر كالنار في الهشيم”؟ أم هي بقايا صور نمطية كرّستها عقود السجن الأسدي للسوريين حول الخارج؟ أم إن الاستغراب رد فعل طبيعي؟
في الصحافة نحاول الإجابة عن سؤال “لماذا”، وهذا لا يتعارض مع امتناني الداخلي لحجم التعليقات، لكنه يتقاطع مع حدث أقل من عادي ومتكرر، تسجله بلدان العالم يومياً.. فلماذا “الجنازة حامية والميت كلب”؟
الأقرب لقراءتي أن ثمة صداماً بين صورة متخيلة عن أوروبا والواقع اليومي الحقيقي فيها، أو أن وسائل التواصل تضخم القصص التي تحتوي على مفارقة أو “كسر توقعات”، فرغم انتشار السوريين في بلاد اللجوء، فإن صورة المدينة المرتبطة في المخيال العربي بالأمن والقانون والرفاهية والنزاهة والدولة القوية بقيت مسيطرة، وربما تعززت بما يشبه تعويض المفقود هناك، فتحضر الوقائع كفكرة، ويكون التفاعل نتاج الأسئلة وصدمة المخيال.
كيف يمكن أن يحدث هذا في لندن أو باريس أو واشنطن؟
هنا تتحول الحوادث البسيطة إلى مساحة إسقاط جماعي، بعضها يسخر من الصورة المثالية عن أوروبا، وبعضها الآخر يعكس شعوراً بنوع من “التعزية النفسية” بأن المشكلات موجودة وليست محصورة ببلده، في قراءات تحتمل “تفريغ الغضب” بوصفه رد فعل على السائد والنمطي.
اللصوصية والفساد والشر ومخالفة القانون ليست حكراً على بلد دون آخر، كأنها جزء من يوميات البشر وصراع إرادات الخير والشر، ولكل بلد “كفايته”.
بيانات وزارة الداخلية الفرنسية وتقارير شركات التأمين سجلت ما بين 125 ألفاً و140 ألف سرقة مركبة سنوياً خلال عامي 2024 و2025، أي بمعدل سيارة تُسرق كل أربع دقائق تقريباً.
وتتحدث تقارير فرنسية عن تطور شبكات منظمة ومتخصصة في هذا المجال، يعمل بعضها على تهريب السيارات المسروقة إلى الخارج أو تفكيكها وبيع قطعها، حتى إن السلطات الفرنسية وصفت الظاهرة بأنها أصبحت “احترافية وعابرة للحدود”.
أما السيارات الفارهة، فغالباً ما تلتقط التقارير الصحفية ملفات تتعلق بسرقتها وبيعها لاحقاً في دول غرب إفريقية.
سيارات مثل Rolls-Royce Cullinan وRange Rover Autobiography
سيارات ال Rolls-Royce Cullinan و
Porsche Cayenne أو Panamera.
وما رأي القارئ بالخروج قليلاً عن ” سيرة” السيارات، وما تورثه من “صداع” بمئات آلافها الفلكية وميزاتها وغنجها ودلالها.
فهناك -قريباً منها- صراعات الساسة والأحزاب والشركات الكبرى العابرة للحدود، ومحاولات شراء النفوذ، فالعالم أعقد بكثير من الصور المثالية الجاهزة، لدرجة أن “الفيس” السوري، إن أتيحت له متابعة يومية، قد يستشهد بالقول الدارج: “اللي يشوف مصيبة غيره تهون عليه مصيبته”.
لم أقصد التقليل من الحوادث اليومية في سوريا، وثقلها على الشارع المتعب أصلاً، بل هو محاولة لوضعها في سياقها الطبيعي لبلد خارج للتو من سنوات صراع مرير وغياب للقانون وانفلات أمني ومجتمعي واقتصادي “حرق الأخضر واليابس”. ولست مع تحويل كل “دولاب” إلى “ترند”.
ربما لو كنت هناك واقعاً تحت حالة السياق العاطفي لعملت بثاً مباشراً، وطالبت وحملت السلطات وتساءلت وربطت وأضفت، فحالي كجميع الناس، فيما أنتظر ببطء شديد إجراءات الضبط والتحويل لشركات التأمين و”دويختها” ونوع التأمين وشروطه وما غفلت عنه حين التوقيع، وإرسال الخبير والقرار النهائي أقرب لشهر أو أكثر.
ربما هذه واحدة من المفارقات التي تحفز السوري للانتقال من حالة “الفوضى والعاطفة” للمساهمة بتوسيع الفضاء العام، لتمكين الدولة والمجتمع من مأسسة الوقائع وسياقها بما يعزز حالة الاستقرار وصولاً إلى حوكمة القانون والمؤسسات.
وأختم بهذا الخبر، تاركاً للقارئ حرية التفسير والمقاربات، لدولة ذات مؤسسات محوكمة وتشريعات منضبطة وعقود من الاستقرار، علّها تبرد قليلاً ساحة العراك والتهويل السوري.
“نفذت الفرقة المالية التابعة للشرطة القضائية في باريس مداهمة لقصر الرئاسة الفرنسية، ضمن تحقيقات بشأن عقود أبرمتها الدولة مع شركة تتولى تنظيم المراسم الجنائزية لمقبرة العظماء في باريس بين عامي 2002 و2024”..
وسط تحقيقات تتعلق بارتفاع كلفها المالية وشبهات فساد محتملة، بما يزيد مساحة الشكوك حولها كصفقات فساد مبطنة.







