ليس أصعب على صانع القرار من مواجهة ظاهرة يراها الجميع مشكلة بينما تكشف الوقائع أنها في الوقت نفسه جزء من الحل هذا هو حال الباعة الجوالين في سوريا.
فكل حملة لإزالة البسطات تبدو انتصاراُ للنظام العام لكنها في المقابل تعني قطع مصدر رزق لآلاف الأسر وكل توسع لهذا النشاط يوفر سلعاُ بأسعارأقل للمستهلك لكنه يوسع أيضا مساحة اقتصاد لا تدخله الدولة ولا تنظمه ولا تستفيد من عوائده.
المفارقة أن الباعة الجوالين لم يظهروا لأن الأرصفة كانت فارغة بل ظهروا لأن فرص العمل كانت أقل من احتياجات الناس ولأن القدرة الشرائية تراجعت ولأن فتح محل نظامي بات يحتاج إلى تكاليف لا يستطيع كثيرون تحملها لذلك فإن الرصيف لم يصنع الأزمة بل استقبل ضحاياها.
الخطأ الأكبر هو الاستمرار في التعامل مع الباعة الجوالين باعتبارهم مخالفة يجب إزالتها بينما هم في الحقيقة نتيجة مباشرة لاختلالات اقتصادية أعمق بكثير.
فلا يمكن محاربة اقتصاد الظل بقرارات إدارية فقط ولا يمكن إغلاق الأرصفة بينما تبقى أسباب اللجوء إليها قائمة

وفي المقابل لا يمكن أيضا ترك هذا النشاط يتمدد بلا تنظيم لأن الخاسر سيكون الجميع.
الدولة ستخسر إيراداتها والأسواق ستفقد عدالة المنافسة والمستهلك سيبقى معرضاً لسلع خارج الرقابة والباعة أنفسهم سيبقون خارج أي حماية اجتماعية أو تمويل منظم.
التجارب الناجحة في العالم لم تنتصر على الباعة الجوالين بل انتصرت لتنظيمهم منحتهم تراخيص وحددت لهم أماكن للبيع وفرضت عليهم قواعد واضحة مقابل منحهم الحق في العمل وهذا ما تحتاجه سوريا اليوم.
فالرهان الحقيقي ليس على إزالة البسطات بل على تحويل اقتصاد الأرصفة إلى اقتصاد منظم يوسع القاعدة الضريبية ويحافظ على مصادر الرزق ويعيد التوازن بين حق المدينة في التنظيم وحق المواطن في العمل.
السؤال الذي يجب أن يطرح اليوم ليس كيف نمنع الباعة الجوالين، بل كيف نحولهم من جزء من اقتصاد الظل إلى جزء من الاقتصاد الوطني.
فالاقتصاد لا يقاس بعدد البسطات التي تزال من الشوارع بل بعدد العاملين الذين ينجح في إدخالهم إلى الاقتصاد الرسمي.






