تتجه الأنظار إلى مجلس الشعب الجديد ويعوّل عليه في مرحلة لا تحتمل تأجيل الملفات المعيشية والاقتصادية، فالسوريون ينتظرون منه تشريعات تلامس كلفة الحياة، وفرص العمل، ومستوى الأجور، وأسعار السلع، وقدرة الإنتاج الوطني على النهوض.
فبين تراجع القدرة الشرائية، وتعقيدات بيئة الأعمال، والحاجة إلى استعادة الثقة بالاقتصاد، تبدو مهمة المجلس أكبر من ممارسة تشريعية تقليدية لتتحول إلى مساهمة أساسية في رسم قواعد مرحلة اقتصادية جديدة.
ولا يمكن، في هذا السياق، قراءة التشكيل الجديد للمجلس على أنه استكمال للمقاعد، بل بوصفه مؤشراً على طبيعة المقاربة التي يراد أن تحكم المرحلة المقبلة، فالمجلس الذي اكتمل بتسمية الأعضاء المنتخبين والثلث المكمّل، يدخل مرحلة يفترض أن تتقدم فيها إعادة بناء المنظومة القانونية والمؤسساتية، بالتوازي مع الحاجة إلى تحديد أكثر وضوحاً لهوية الاقتصاد السوري ودور الدولة فيه.

تبرز ضمن المعطيات المتاحة عن التشكيلة المهنية للثلث المكمّل مؤشرات لافتة على حضور الكفاءات ذات الصلة المباشرة بالاقتصاد والإدارة والأعمال، فحسب ما علمت تضم القائمة، البالغ عدد أعضائها 70 عضواً، ستة من رجال الأعمال وخمسة من الاقتصاديين والإداريين، أي 11 عضواً من أصحاب الاختصاص والخبرة المباشرة في فضاءات السوق والإدارة الاقتصادية، ما يعادل نحو 16% من هذا الجزء من المجلس، وإلى جانبهم، يوجد 13 أكاديمياً، ما يرفع الحضور المعرفي والمهني المرتبط بالبحث والتعليم والاختصاصات العلمية إلى 24 عضواً، أو أكثر من ثلث التشكيلة.
لا تكمن أهمية هذا الحضور في الرقم وحده، بل في طبيعة المرحلة التي يأتي فيها، فالاقتصاد السوري لا يحتاج اليوم إلى قرارات جزئية أو معالجات مؤقتة، بقدر حاجته إلى إعادة تنظيم العلاقة بين الدولة والقطاع الخاص، وإعادة تعريف وظيفة المؤسسات العامة، وتحديد حدود التدخل الحكومي في السوق، وبناء توازن بين تشجيع الاستثمار وحماية الفئات الأكثر هشاشة.
كل هذه ملفات لا يمكن التعامل معها بخطاب سياسي عام، بل تحتاج إلى فهم عملي لتأثير التشريعات في الإنتاج والتجارة والتمويل وفرص العمل والأسعار.
إن وجود رجال أعمال واقتصاديين وإداريين داخل المجلس يمكن أن يضيف بعداً واقعياً إلى النقاش التشريعي، وخصوصاً عند مناقشة قوانين الضرائب والجمارك والاستثمار والشركات والتجارة الداخلية والخارجية، فالقانون الضريبي لا يتعلق فقط بحجم الإيرادات التي تحصل عليها الخزينة، بل بقدرته على تشجيع التوسّع الإنتاجي، والحد من الاقتصاد غير المنظم، وتحقيق العدالة بين المكلفين.
كما أن قوانين التجارة والأعمال لا تقاس فقط بمدى صرامتها القانونية، بل بقدرتها على تبسيط الإجراءات، وخفض الكلف، وحماية المنافسة، وفتح المجال أمام المبادرات الصغيرة والمتوسطة.
كما تزداد الحاجة إلى هذه الخبرات في الملفات المصرفية والمالية، حيث يفرض الواقع مراجعة القوانين والأنظمة الناظمة للقطاع المصرفي والائتماني، وآليات التمويل، وضمانات المستثمرين، وقواعد الشفافية والرقابة.
كما يحتل ملف الوظيفة العامة مكاناً خاصاً إذ يحتاج إلى مقاربة تتجاوز معالجة الرواتب والتعيينات، نحو إصلاح بنية الإدارة العامة، ورفع كفاءتها، وربط الأداء بالمسؤولية والإنتاجية.
المجلس الجديد ليس مطلوب منه أن يصنع السياسة الاقتصادية وحده، لكنه يمتلك أدوات مؤثرة عبر التشريع والرقابة والمساءلة.
الرهان الحقيقي لا يتعلق بعدد رجال الأعمال أو الاقتصاديين داخله، بل بقدرتهم على تحويل خبراتهم إلى قوانين تخفف من التعقيدات، وتحسّن البيئة الاستثمارية، وتدعم الإنتاج، وتحمي القدرة الشرائية.
فنجاح المجلس سيقاس بمدى انتقاله من النصوص العامة إلى أدوات عملية تساعد على استعادة الثقة، وتحريك الاقتصاد، وتحسين الحياة اليومية للسوريين.







