حسناً فعلت وزارة العدل السورية بمراجعة قانون الجرائم الإلكترونية المعمول به في سوريا بعد سقوط النظام البائد.
ويُحسب لها، من وجهة نظر المتابع، أنها استجابت لمطالب الشارع وأصغت لصوته، وطبقت قول السيد المسيح: «أعطوا ما لقيصر لقيصر، وما لله لله».
لكن ما أخشاه هو أن نعود إلى المطالبة بإلغاء القانون الجديد حالَ إقرار تطبيقاته.. فالمتابعة تشير إلى أنه لم يُوقَف صحفي على خلفية مواقفه السياسية، أو بسبب «وهن عزيمة الأمة» كما كان ينص القانون القديم، بل تركزت كل التوقيفات في قضايا الذم والقدح والتشهير، وهي أفعال مجرّمة في مختلف القوانين.

وتشير التعديلات القادمة إلى أنه لن يكون للضابطة العدلية أو لفرع الجرائم الإلكترونية دور في التوقيفات، إذ ستحال كل قضايا النشر على وسائل التواصل الاجتماعي وغيرها إلى النيابة العامة لتتولى التحقيق وإعداد الملف، ثم إحالته إلى السلطة القضائية صاحبة القرار في التوقيف والمحاكمة، عبر جلسات الاستجواب والأدلة والشهود والإثبات.
هذا التطور المنظور مهمٌّ ويبعث رسائل طمأنة إلى الشارع الداخلي والخارجي، وإلى المراقب الدولي، مفادها أن مشروع استقرار الدولة ماض بخطوات متسارعة.
لكن هل يحدّ التحديث القانوني من ارتفاع جرائم التشهير والقدح والذم؟
أميل إلى الإجابة بالنفي. فالإشكالية في سوريا أكثر تعقيداً من مجرد تحديث القوانين، على أهميته. وهي أصلاً نتاج تغييب ممنهج وطويل ومتقصد للمفاهيم القانونية ولسيادة القانون حتى قبل اندلاع الثورة، فكيف والحال بعد التحرير المنجز؟ يريد بعضهم حريةً بسقف مفتوح، بلا ضوابط أو قواعد ناظمة، وهو ما سيعيد طرح الإشكالية القانونية ذاتها بصيغ مختلفة تتناسب مع المرحلة المقبلة.
أقرب الأمثلة على ذلك، ما أقره القضاء اللبناني الأسبوع المنصرم، متمثلاً بإدانة أحد الصحفيين بجرائم الذم والقدح والتحقير، وإنزال عقوبة الحبس النافذ بحقه لمدة شهر واحد، مع جعل العقوبة غير قابلة للاستبدال بغرامة مالية. هذا يؤكد أن جرائم النشر لا تزال محل مساءلة قانونية، حتى في الدول التي تمتعت تاريخياً بهوامش حرية التعبير.
لا يوجد صحفي يريد توقيف زميله، سواء قبل تحديث القوانين أم بعدها، لكن تعزيز الثقافة القانونية وترسيخها ونشرها يبدو خياراً ملحاً وضرورة لجميع الراغبين بدخول الفضاء العام، فهذا يشكل حمايةً لهم، وللمجتمع، وللمؤسسات الإعلامية.
فأصغر تاجر اليوم، لا يتحرك في السوق المفتوح والمتداخل من دون مرافقة قانونية ترشده وتضبط عقوده والتزاماته وعلاقاته مع الأطراف الشريكة وحتى المنافسة. لقد تغير كل شيء لمصلحة ضبط الفضاء العام.
فالصحفي يحتاج إلى حماية قانونية من مؤسسته، والناشط يحتاج إلى معرفة قانونية، وكذلك صاحب الصفحة العامة على وسائل التواصل الاجتماعي، واليوتيوبر، والمؤثر.. العلاقة هنا تكاملية، تماماً كعلاقة التاجر بالمحاسب أو المستشار القانوني.
رب حملة لا تعرف الدولة من يقف خلفها، قد تعكر جهود استقرارها، أو تبعثرها، وربما توقعها في حرج مع دول حليفة وصديقة.
ولليوم، ما زال ثمة من ينظر إلى الجرائم الإعلامية بمنطق «الشوال»، وهي ثقافة ورثناها من العهد البائد الذي تحدث عما سماه «حواضن الإرهاب»، فاستباح مدننا وأهلها. بينما يُنظر قانونيّاً إلى كل جريمة في سياقها الزمني، وظروفها الخاصة، وتأثيرها، والأهم وجود متضرر حقيقي ومدعٍ أمام القضاء.
والجرائم الإعلامية عموماً يُحاسب عليها صانع القرار، أو مدير المؤسسة، أو وزير الإعلام، فيما يمضي البعض في نشر «قوائم العار» وتسويقها عبر صفحات وهمية لا تحمل أسماءً أو صفات واضحة، الناشر الأخير في كل قوانين العالم يجرم حتى إن كان محقاً، إنه يعبث بالسلم الأهلي، يكلف نفسه بديلاً عن سلطة الدولة.
ثمة من يرمي أعواد الثقاب في بيئة هشة ما زالت تتعافى، كأنه يريد لها أن تشتعل مجدداً، سمعت مؤثراً أمس يعيد ويزيد: ” نعم حتى لو التصوير دون ترخيص خطأ، سأعيدها لأجل الدفاع عن قضية أهلي”.
ما يعرف ب”العند” يحتاج إلى تفكيك بطيء، لا يكفي معه القانون قديماً أو حديثاً، هذا سيؤدي إلى صدام بين السلطة القضائية وجمهور عريض وأغلبيته خارج الحدود الجغرافية من جراء من لحقه من تهجير طويل، كثير من الأدوات والهدوء، تكرار، تثقيف، تذكير، تمرير حزمة برامج فنية بقولب قانونية. تفكيك” العند ” بالتوازي مع تحديث القوانيين.
هدف وزارة العدل المتمثل بـ«الوصول إلى صياغة قانونية متوازنة تكفل حماية الحقوق والحريات، وتعزز سيادة القانون، وتوفر الأدوات اللازمة لمكافحة الجرائم الإلكترونية بمختلف أشكالها» يمثل تحولاً مهمّاً.
على الشارع ألا يضيع هذه الفرصة، بل أن يستثمرها بالشكل الأمثل عبر الانفتاح على الجوانب القانونية والاهتمام بها، لا سيما ما يتعلق بالجرائم الإلكترونية، استزادةً من المعرفة، وتحصناً بالوعي القانوني، وانفتاحاً على الجمعيات والمؤسسات المعنية بهذا الجانب، انتشاراً وترسيخاً لثقافة القانون بوصفها طريقاً نحو الاستقرار ودولة القانون التي نريدها جميعاً.
نجاح تعديل قانون الجرائم الإلكترونية لن يتوقف على نصوصه فقط، بل على استعداد الشارع للتعامل مع ثقافة قانونية جديدة عن تلك التي عاشها لعقود.” بالأمن والرشاوى تحل المشكلات “.
الثابت أنه كلما ارتفع مستوى الوعي القانوني، تراجعت الحاجة إلى التدخلات العقابية، لأن المعرفة بالحقوق والحدود القانونية تصبح جزءاً من السلوك العام، فحتى بالقانون القديم وفحشه ومساوئه لم نتابع توقيفات لمحامين أو متحصنين بالثقافة القانونية.







