مع أن حديث الرئيس أحمد الشرع لقناة المشهد جاء في سياق سياسي وإقليمي يتعلق بالعلاقة مع لبنان وتطورات المنطقة، إلا أنه بين سطور المقابلة رسائل اقتصادية لا تقلّ أهمية عن المواقف السياسية المعلنة، فالحديث عن الاستقرار وتجنب الصراعات ودعم مؤسسات الدولة والبحث عن حلول مستدامة للأزمات يحمل في جوهره إدراكاً متزايداً بأن الاقتصاد بات المدخل الحقيقي لتعزيز الاستقرار في المنطقة.
لسنوات طويلة بقيت العلاقات الاقتصادية بين سوريا ولبنان أسيرة واقع غير طبيعي اختلطت فيه التجارة بالتهريب، وتشابكت فيه المصالح المنظّمة مع الاقتصاد الموازي، حتى أصبحت الحدود في كثير من الأحيان معبراً للفرص المهدورة أكثر منها جسراً للتنمية المشتركة.
وتبدو الحاجة اليوم مختلفة والظروف أكثر إلحاحا، فكلا البلدين يواجهان تحديات اقتصادية عميقة ويحتاجان إلى أدوات جديدة للنمو، وليست هناك فرصة أكثر واقعية من بناء شراكة اقتصادية حقيقية تستند إلى التكامل لا إلى المنافسة وإلى المصالح المتبادلة لا إلى الحسابات الضيقة.

لبنان يمتلك خبرة متراكمة في الخدمات والتجارة والتمويل والنقل البحري، بينما تمتلك سوريا موقعاً استراتيجياً وسوقاً واسعاً وقطاعات إنتاجية قادرة على استعادة دورها مع انطلاق عملية التعافي وإعادة الإعمار، وعندما تجتمع هذه المقومات فإن الناتج لا يكون مجرد زيادة في التبادل التجاري، بل إيجاد مساحة اقتصادية قادرة على توليد النمو وفرص العمل والاستثمار في البلدين.
وتكمن الفرصة الأكبر في قطاعات النقل والترانزيت والطاقة والصناعات الغذائية والزراعة والسياحة وإعادة الإعمار، وهي قطاعات لا تحتاج إلى نظريات معقدة بقدر حاجتها إلى إرادة سياسية وإصلاحات تنفيذية تزيل الحواجز وتختصر الإجراءات وتفتح المجال أمام القطاع الخاص ليقود مرحلة جديدة من التعاون.
المعادلة واضحة، فكل شاحنة تعبر بشكل نظامي تعني إيرادات إضافية للخزينة، وكل مشروع مشترك يعني فرصة عمل جديدة، وكل استثمار عابر للحدود يعني خطوة نحو استقرار اقتصادي يحتاجه السوريون واللبنانيون على حد سواء، لكن الشراكة تحتاج إلى تحديث الأنظمة الجمركية وتطوير المعابر وتسهيل حركة البضائع ورؤوس الأموال وإطلاق مجالس أعمال مشتركة وتوفير ضمانات حقيقية للمستثمرين وتحويل الحدود من خطوط فاصلة إلى مناطق جذب اقتصادي.
الرهان اليوم ليس على زيادة أرقام التجارة فقط، بل على بناء نموذج جديد للعلاقة بين دمشق وبيروت.. نموذج ينتقل من اقتصاد الظل إلى اقتصاد المؤسسات ومن التهريب إلى التكامل ومن إدارة الأزمات إلى صناعة النمو، وعندما تتحول المصالح الاقتصادية إلى قاعدة للعلاقة بين البلدين تصبح التنمية أكثر استدامة، ويصبح الاستقرار أكثر رسوخاً، وتتحول الجغرافيا التي كانت لعقود عبئاً سياسياً إلى واحدة من أهم الفرص الاقتصادية في المنطقة.







