سوريا تدين استهداف أراضي البحرين والكويت والأردن بطائرات وصواريخ مصدرها إيران وتؤكد أنّ أمن واستقرار الدول العربية جزء لا يتجزأ من أمن واستقرار المنطقة ككل

البعثات الدبلوماسية والقنصلية الإفريقية في سوريا تحتفل بيوم إفريقيا

وزير الزراعة يبحث مع سفير الإمارات التعاون وفرص الاستثمار الزراعي

إنذار بإخلاء مدينة صور اللبنانية وسط نزوح كثيف وسقوط ضحايا

عاجل – مقر خاتم الأنبياء الإيراني يعلن وقف الهجمات على إسرائــيل

المزيد

‫آخر الأخبار:‬

بين هيبة القانون وثقافة السلاح

‫شارك على:‬
20

ليس مؤلماً أن يقع خلافٌ بين الناس، فالاختلاف سنَّةٌ من سنن الحياة، لكن المؤلم حقاً أن يصبح السلاح أول ما يُستدعى عند الغضب، وأن تتحول لحظة انفعالٍ إلى مأساةٍ، وأن تنتهي مشكلةٌ كان يمكن أن تُحلَّ بكلمةٍ، أو بتدخل حكيمٍ، أو بقاضٍ، بدمٍ يُراقُ، أو روحٍ تُزهقُ، أو أسرةٍ تُفجعُ.

ولعلَّ ما يثير القلق أن هذه المشاهد لم تعد تُرى بوصفها حوادث فرديّةً معزولةً، بل أصبحت تتكرر على نحوٍ يدفع إلى التساؤل: كيف يمكن لوطنٍ خرج لتوّه من سنواتٍ طويلةٍ من الحرب والمعاناة أن يسمح لثقافة السلاح بأن تمتدَّ إلى تفاصيل حياته اليوميّةِ؟

وليس ذلك في ساحات الخلافات الفردية وحدها، بل حتى في بعض المناسبات الاجتماعية والأعراس، حيث يُستخدم السلاح بشكلٍ عشوائيٍّ ومفرطٍ تحت ذريعة الاحتفال، فيتحول الفرح إلى خوف، والبهجة إلى فاجعة، وقد تُزهق أرواحٌ بريئةٌ وتُروَّع أسرٌ آمنةٌ من دون أي مبررٍ، سوى غياب الوعي وضعف الالتزام بالقانون.

لقد دفع السوريون جميعاً أثماناً باهظةً من أمنهم ودمائهم واستقرارهم، حتى غدا الأمن بالنسبة إليهم ليس مجرد مطلبٍ معيشيٍّ، بل نعمة يتطلعون إلى استعادتها، وحقاً لا يمكن التفريط به. ولذلك فإن بناء سوريا الجديدة لا يبدأ بإعادة إعمار الطرق والمباني وحدها، بل يبدأ بإعادة بناء الإنسان، واستعادة الثقة بالدولة، وترسيخ ثقافة الاحتكام إلى القانون، حتى يشعر كلُّ مواطنٍ بأن حقَّه يحميه العدلُ، لا السلاحُ، وأن هيبة الدولة تُغني عن هيبة الأفراد.

ومن هنا، فإن أيَّ مشهدٍ يُشهرُ فيه السلاحُ في وجه الناس، أو يُستخدمُ فيه العنفُ لحسم خلافٍ، أو يُعتدى فيه على رجال الأمن في أثناء أداء واجبهم، أو يُطلق فيه الرصاص في المناسبات والأعراس، ينبغي ألا يُنظر إليه بوصفه حادثةً عابرةً، بل بوصفه جرسَ إنذارٍ يذكّرنا بأن بناء الدول لا يتحقق بمجرد انتهاء الحروب، وإنما يبدأ عندما تستعيد القوانين هيبتها، وتعلو المصلحة العامة على الانفعالات الفرديّةِ، ويوقن الجميع بأن الأمن مسؤوليةٌ مشتركةٌ، لا مهمة مؤسسةٍ واحدة.

إن أخطر ما تتركه الحروب ليس الدمار الذي تُخلّفه في المدن، وإنما ما تتركه في النفوس من اعتيادٍ على العنف، وإلفٍ للسلاح، وظنٍّ أن القوة وحدها هي الطريق إلى انتزاع الحقوق. وإذا لم تُعالج هذه الثقافة بالحكمة والعدل وسيادة القانون، فإن المجتمع قد يحمل آثار الحرب في داخله، حتى بعد أن تضع الحرب أوزارها.

ولهذا، فإن ما تحتاجه سوريا اليوم ليس معارك جديدة، بل مشروع بناء الإنسان، بناء الوعي، وترسيخ ثقافة الدولة، وإعلاء قيمة القانون بوصفه المرجع الأول للعلاقة بين الناس.

رسالة إلى المجتمع:

يا أبناء سوريا…

لقد دفع هذا الوطن من الجراح ما يكفي لأجيالٍ، ولم يعد يحتمل أن تتحول الخلافات اليومية إلى ساحات دم، أو أن يُستبدل الحوار بلغة السلاح.

إن الرجولة ليست في سرعة الغضب، ولا في رفع السلاح، بل في كبح النفس عند الانفعال، وفي تحويل الخصومة إلى فرصةٍ للإصلاح لا للانتقام.

إن الأسرة، والمدرسة، والمسجد، والإعلام، والنخبَ الاجتماعية، جميعها مسؤولةٌ اليوم عن إعادة بناء هذه الثقافة، ثقافة تعظيم الحياة، واحترام القانون، وتقديم العقل على ردِّ الفعل.

رسالة إلى الحكومة:

إن هيبة الدولة لا تُقاس بشدة الإجراءات وحدها، بل بقدرتها على تحقيق العدالة، وبسط الأمن، وصون كرامة المواطنين من دون تمييز.

إن التعامل الحازم مع مظاهر حمل السلاح خارج إطار القانون، وتجفيف مصادره، ومحاسبة المعتدي أياً كان موقعه، ليس خياراً سياسياً ، بل ضرورةٌ لحماية المجتمع وصيانة مستقبل الدولة.

وفي المقابل، فإن ترسيخ الثقة بمؤسسات العدالة، وتسريع إجراءات القضاء، وتكريس مبدأ المساواة أمام القانون، هو ما يجعل المواطن شريكًا في حماية الأمن، لا متلقياً له فقط.

رسالة إلى أهل الفكر والإعلام:

في المراحل الحساسة من عمر الأوطان، تصبح الكلمة جزءاُ من ميزان الأمن العام.

ومن هنا فإن المسؤولية الأخلاقية والمهنية تقتضي رفض تبرير العنف، أو تغذيته، أو تسييسه، والوقوف على مسافةٍ واحدةٍ من كل اعتداء، أياً كان مصدره.

إن الكلمة الواعية قد تمنع رصاصةً، والخطاب المتزن قد يحفظ مجتمعاً، والإعلام الرشيد قد يكون جسراً نحو الاستقرار لا وقوداً للانقسام.

كلمة أخيرة..

إن سوريا التي يتطلع إليها أبناؤها ليست سوريا الخوف، بل سوريا الطمأنينة، وليست سوريا السلاح، بل سوريا القانون، وليست سوريا الانقسام، بل سوريا الدولة الجامعة.

إن الطريق إلى ذلك لا يبدأ من قرارات فوقيةٍ فقط، بل من وعيٍ جمعيٍّ يدرك أن كلَّ رصاصةٍ تُطلق خارج القانون لا تهدد فرداً واحداً فحسب، بل تهدد فكرة الوطن نفسها.

نسأل الله أن يحفظ سوريا وأهلها، وأن يكتب لها أمناً وعدلاً واستقراراً ، وأن يجعل مستقبلها خيراً مما مضى.