سوريا تدين استهداف أراضي البحرين والكويت والأردن بطائرات وصواريخ مصدرها إيران وتؤكد أنّ أمن واستقرار الدول العربية جزء لا يتجزأ من أمن واستقرار المنطقة ككل

البعثات الدبلوماسية والقنصلية الإفريقية في سوريا تحتفل بيوم إفريقيا

وزير الزراعة يبحث مع سفير الإمارات التعاون وفرص الاستثمار الزراعي

إنذار بإخلاء مدينة صور اللبنانية وسط نزوح كثيف وسقوط ضحايا

عاجل – مقر خاتم الأنبياء الإيراني يعلن وقف الهجمات على إسرائــيل

المزيد

‫آخر الأخبار:‬

السلم الأهلي بين العدالة والأمن: معادلة البناء لا الانتقام

‫شارك على:‬
20

بعد سنواتٍ من القتل والتشريد والتهجير والانتهاكات التي مارسها النظام السابق وأجهزته وأعوانه بحق الشعب السوري، وما خلّفته تلك الحقبة من آلامٍ عميقة وجراحٍ غائرة لا تزال آثارها حاضرة في النفوس والذاكرة، يقف السوريون اليوم أمام مسؤوليةٍ تاريخية تتمثل في بناء مستقبلٍ أكثر أمناً وعدلاً واستقراراً، مستقبلٍ يحفظ الحقوق، ويصون الكرامة، ويطوي صفحة المعاناة من دون أن يمحو آثارها أو يتجاوز حقوق ضحاياها.

وفي خضم هذا التطلع المشروع إلى الاستقرار والبناء، يبرز الحديث عن السلم الأهلي بوصفه أحد أهم التحديات الوطنية وأكثرها حساسية، فهو ليس مجرد اتفاقٍ على إنهاء الخلاف، ولا شعاراً يُتداول في المنتديات، بل هو حالة مجتمعية متكاملة تقوم على الثقة والطمأنينة وسيادة القانون، وتشعر فيها جميع فئات المجتمع بمختلف طوائفها بأنها شريكة في الوطن، ومصونة الحقوق والكرامة.

ومن هنا تتجلى أهمية السلم الأهلي بوصفه مشروعاً وطنياً متكاملاً، لا يُختزل في شعارات عامة، ولا يُبنى على العاطفة وحدها، بل يقوم على توازنٍ دقيق بين مقتضيات العدالة، ومتطلبات الأمن، وضرورات الاستقرار، وبناء المستقبل.

إن أي مجتمعٍ خرج من تجربةٍ قاسية، والحالة السورية مثالٌ على ذلك، يحتاج أولاً إلى تثبيت المعنى العميق للأمن، ليس بوصفه إجراءاتٍ أمنية فحسب، بل باعتباره حالة طمأنينة شاملة تحفظ كرامة الإنسان، وتصون حياته، وتمنع الانزلاق نحو الفوضى أو الانتقام. فغياب الاستقرار كثيراً ما يقود إلى الفوضى التي تنهك المجتمع وتستنزف قدرته على التعافي.

وفي المقابل، لا يمكن لأي استقرارٍ أن يكون مستداماً ما لم يُبنَ على أساس العدالة. فالعدالة ليست خياراً ثانوياً يُؤجَّل، بل هي ركنٌ أصيل في أي مصالحة حقيقية.

إن جراح الضحايا وأسرهم، ودماء الشهداء، ومعاناة من هُدمت بيوتهم وهُجّروا من ديارهم، لا تُعالج بالتجاهل ولا تُداوى بالمجاملات، بل بالعدل والإنصاف، وبما يرسّخ قناعةً واضحة بأن الحقوق لا تضيع.. فالمصالحة التي تُبنى على الإنكار أو المجاملة لا تستقر، أما التي تُبنى على الاعتراف والإنصاف فهي الأقدر على صناعة سلامٍ دائم.

إن أي حديثٍ عن السلم الأهلي لا يكتمل ما لم يُحسم بشكلٍ واضح الفرق بين “التسامح” و“الإفلات من المساءلة”.. فالتسامح قيمة أخلاقية وإنسانية رفيعة، لكنه لا يُمارس بمعزل عن العدالة، ولا يُستخدم لتجاوز حقوق الضحايا أو طمس معاناتهم.

إن المجتمعات التي تتجاهل حقيقة الانتهاكات أو تتعامل معها بسطحية، تُخاطر بإعادة إنتاج أسباب الانفجار من جديد، حتى لو بدا ظاهرها أنها تجاوزت الأزمة.

كما أن إعادة دمج الأفراد في المجتمع، خاصة أولئك الذين ارتبطت أفعالهم بالعنف أو التهجير أو الترويع، أو ترتب عليها وقوع ضحايا، لا يمكن أن تكون بشكل عشوائي أو غير منضبط.. فالمجتمع لا يتعامل مع هذا الملف باستهانة أو بصورة غير مدروسة، بل يحتاج إلى مسار قانوني واضح يسبق أي حديث عن إعادة الإدماج، بما يضمن تحقيق العدالة أولاً، وصون حقوق الضحايا، ومنع أي شعور بالإفلات من المساءلة، مع فتح المجال لاحقاً لإعادة الاندماج وفق ضوابط تضمن استقرار المجتمع وتماسكه.

ومن هنا، فإن مسؤولية بناء هذا التوازن لا تقع على جهة واحدة، بل هي مسؤولية تشاركية تبدأ من القيادة السياسية بوصفها الجهة القادرة على رسم الاتجاه العام وصناعة القرار، وتمر عبر المؤسسات الأمنية التي تقع على عاتقها حماية المجتمع وضبط إيقاعه، ولا تنتهي عند الإعلام الذي يصوغ الوعي العام، ولا عند مؤسسات المجتمع المدني التي تساهم في ترميم النسيج الاجتماعي وإعادة بناء الثقة بين مكوناته.

إن التكامل بين هذه المؤسسات هو ما يصنع الفارق بين مرحلة انتقالية عابرة، ومرحلة بناءٍ حقيقي للدولة.. فالإعلام المسؤول يخفف من حدة الانقسام، والتعليم يعيد تشكيل الوعي، والمؤسسات الأمنية تضبط الفوضى وتحمي الجميع، بينما تعمل مؤسسات المجتمع المدني على تعزيز الحوار وترسيخ ثقافة التعايش.

وفي النهاية، فإن الرهان الحقيقي ليس على جهة واحدة، بل على قدرة المجتمع بكل مؤسساته على الانتقال من منطق ردّ الفعل إلى منطق البناء، ومن ذاكرة الصراع إلى أفق الدولة.. عندها فقط يتحول السلم الأهلي من فكرةٍ نظرية إلى واقعٍ معيش، يشعر به الإنسان في أمنه، وعدالته، وكرامته اليومية.