تتحضر وزارة الإعلام السورية لإعداد وطرح مشروع قانون الإعلام الجديد أمام مجلس الشعب.
وحسب الوزارة فإنه ” يستند إلى الإعلان الدستوري الذي كفل حرية الرأي، وضامن لحق الصحفيين في الوصول إلى المعلومات، وتعزيز حرية النشر، ومواكبة التطورات التي شهدتها وسائل الإعلام الحديثة، وتنظيم المشهد الإعلامي السوري بما يحد من خطاب الكراهية، ويكافح التضليل والشائعات”.
هل الخطوة كافية، وقادرة على حمل تبعات الإرث اليومي الثقيل والقادم “الهش” في المشهد الإعلامي، وهل نعول على القانون لمنع التضليل؟

الإجابة ليست بين يدي أحد. لا صانع القرار الإعلامي ولا الجمهور الراغب، حسب انتماءاته وخلفياته وتموضعه وجغرافيته، داخلياً وخارجياً.
ما بين يدي خبر موازٍ من فرنسا، يتحدث عن مشروع تقرير لمجلس الشيوخ الفرنسي يقترح إنشاء “مرصد لمكافحة التضليل الإعلامي” وحماية الديمقراطية.
التوصيات المقدمة، والهادفة إلى تعزيز مكافحة التلاعب بالمعلومات والحد من حملات التضليل، في الحالة الفرنسية المستقرة سياسياً ومجتمعياً ومؤسساتياً، تبدو ضرورة سورية، لتكون مهمته رصد وتحليل محاولات التلاعب بالمعلومات، وتحديد التدخلات الداخلية والخارجية التي قد تؤثر وتشعل المشهد السوري “كالنار في الهشيم”، وخطوة استباقية مدروسة بعمق ومنهجية، وبمشاركة مجتمعية، توفر علينا جميعاُ المراوحة في المكان، ومواجهة المخاوف والتصدي لها.
الحماس الشخصي لفكرة أو مؤسسة “المرصد لمكافحة التضليل الإعلامي” أبعد من مواجهة الأخبار الكاذبة، فهذه باتت خبز المشهد اليومي، بل لأنه يلامس إحدى أكثر القضايا حساسية في المجتمعات الحديثة عموماً، ويخص سوريا قبل غيرها، كأولوية أمام جبهات خارجية محيطة بالدولة السورية، وصولاً إلى الإقليمية والدولية.
شعبياً نقول: “لا تنام بين القبور ولا تشوف منامات وحشة”.
في ظاهر الأمر تبدو المهمة بسيطة؛ رصد حملات التضليل، وتحليلها، ثم إحالة أخطرها إلى الجهات المختصة، لتفنيدها والوقوف على خلفياتها ومن وراءها، والأهم إماتتها قبل انتشارها.
الصحفيون والمنظمات المعنية بحرية التعبير سنكون أول المعترضين، صحيح. لكن توسيع المشاركة مع أوسع القطاعات سيشعرها أن المشروع لها ولحمايتها قبل غيرها، وأنه ليس كل خبر خاطئ تضليلاً، وليس كل رأي سياسي مخالف كذباً، وليس كل اجتهاد صحفي حملة منظمة، وأن هناك فرقاً كبيراً بين صحفي أخطأ في معلومة فسارع إلى تصحيحها، وبين مسار مهني، منذ تحرير سوريا، يعمل يومياً بأجندة ومسار يهدف إلى تأليب الناس على بعضها. هذا ليس عملاً صحفياً بشهادة جميع المؤسسات المهنية والنقابية.
المرصد يستهدف، بجانب من أنشطته، شبكة من الحسابات الوهمية تنشر مواد مفبركة بهدف إثارة الفوضى، وشبكات تدار من خارج الحدود أو داخلها، حتى لو عبر خوارزميات “الأضحكني”.
في الحالة السورية تبدو الفكرة أكثر تعقيداً. فالبلاد خرجت من سنوات طويلة كان فيها الإعلام جزءاً من الصراع، وكانت تهمة “نشر الأخبار الكاذبة” تستخدم أحياناً لإسكات الأصوات المخالفة.
استنساخ الفكرة “الفرنسية” دون مراعاة السياق السوري قد يؤدي إلى نتائج معاكسة.
حالتنا لا تحتاج إلى مؤسسة تراقب الآراء، بل إلى جهة مستقلة ترصد حملات التحريض على العنف، وتوثق الأخبار المفبركة التي قد تشعل نزاعاً أهلياً، وتنشر للرأي العام الأدلة التي استندت إليها في تقييمها. مؤسسة لا تعاقب، ولا تمنع، ولا تصدر الأحكام، وإنما تقدم المعرفة وتترك القرار للقضاء المستقل والهيئات المختصة، والأهم أنها تقدم خدمة للجمهور، وتتحرك باستجابة عاجلة تشبه وزارة الطوارئ وكوادرها ورضى الشارع السوري عنها.
زمن الذكاء الاصطناعي زاد الأمور صعوبة وتعقيداً على الناس، فالتضليل لم يعد مجرد صورة مفبركة أو شائعة عابرة. بات بالإمكان إنتاج مقاطع فيديو وأصوات يصعب على المواطن العادي التحقق من صحتها. لذلك فإن الاستثمار في التثقيف الإعلامي بات من الضروريات، وقد يصلح “المرصد”، مع مدونة السلوك الإعلامية ومواثيق الشرف الإعلامية، وقانون الإعلام الجديد، ما أفسده النظام البائد.
أخطر أنواع التضليل هو ذلك الذي يجعل الناس يفقدون ثقتهم بكل شيء؛ بالإعلام، وبالقضاء، وبالمؤسسات، وحتى بالحقائق نفسها. وعندما تضيع الثقة، يصبح الكذب والرواية الصحيحة سواء في نظر الجمهور، وتفسد القوانين وأثرها تدريجياً.
الفرصة، بمرصد أم بدونه، تتمثل في تعزيز ثقة الناس في البرامج والأدوار والمؤسسات والتعاطي معها. كل المجتمعات “فيها ما يكفيها”، وسوريا ليست استثناء، لكن حملات التشكيك بالسلطة السياسية تقبل في حدود الرأي المعارض، واحتراماً لحرية التعبير. لكن الحملات تتواصل لتطول مؤسسة القضاء، فالتعليم، فحياة الناس وسلمهم الأهلي وتعايشهم ومستقبلهم واقتصادهم.
لا قانون الإعلام، ولا مدونة السلوك، ولا فكرة “المرصد”، وظائفها حماية الحكومات من النقد، بل حماية المجتمع من الحملات المنظمة التي تستخدم الكذب والتلاعب والتقنيات الرقمية لإعادة تشكيل وعي الناس دون علمهم، وتحويلهم إلى أدوات لمشاريع، و”لن يفيد الندم بعد وقوع الفأس بالرأس”.
الديمقراطيات العريقة، كالولايات المتحدة وفرنسا، تبحث اليوم عن أدوات لحماية نقاشها العام من التضليل، الاتحاد الأوروبي أنشأ وحدات رصد لمكافحة التضليل.
المعركة المقبلة ترتكز على عقول الناس وذاكرتهم وقدرتهم على التمييز بين الحقيقة والشائعة، وبين النقد المشروع وحملات التلاعب المنظمة.
المعركة السورية اليوم بعد التحرير انتقلت إلى الفضاء الرقمي. عشرات الروايات المتناقضة خلال ساعات، لأي حادثة، بعضها كان يسبق التحقيقات الرسمية، ويستهدف تأجيج الانقسام الطائفي أو التأثير في الرأي العام.
المرصد هنا لا يؤطر الناس ويصنفهم ويعيد نشرات” البرافدا “السوفيتية، مهمته أبعد، يقدم العون، يساعد المجتمع، يحمي الفضاء العام من التهويل والتخوين والتحوير، يساعدهم على التحقق مما ينشر قبل أن يتحول “البوست، التغريدة ” إلى أزمة وطنية.





