مصدر خاص لـ “الوطن”: تأجيل انعقاد الجلسة الأولى للمجلس التي كانت مقررة يوم الإثنين إلى موعد يحدد لاحقا

وزير الخارجية أسعد حسن الشيباني يصل إلى الدوحة للقاء رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية القطري محمد بن عبد الرحمن آل ثاني

الرئيس أحمد الشرع يستقبل وزير الخارجية العراقي فؤاد حسين في قصر الشعب بدمشق لبحث العلاقات الثنائية

وزير النقل يعرب بدر خلال مؤتمر صحفي: سنعلن عن استدراج عرض لإنشاء طريق ثان وجديد لطريق دمشق دير الزور مروراً بتدمر

المزيد

‫آخر الأخبار:‬

استبدال العملة.. نجاح ينتظر الاختبار

‫شارك على:‬
20

مع إعلان مصرف سورية المركزي استبدال نحو 80% من الكتلة النقدية، يمكن القول إن العملية حققت تقدماً واضحاً على المستوى الفني، سواء من خلال سحب الجزء الأكبر من العملة القديمة من التداول أم عبر إدارة عملية الاستبدال بصورة حافظت على قدر من الاستقرار النقدي.

غير أن النجاح الحقيقي لأي إصلاح نقدي لا يقاس بنسبة الأوراق النقدية التي جرى استبدالها، بل بمدى قدرة العملة الجديدة على أداء وظائفها كاملة داخل الاقتصاد، وانعكاس ذلك على النشاط الاقتصادي وحياة المواطنين.

الواقع يشير إلى أن الليرة القديمة لا تزال حاضرة في جزء مهم من التعاملات اليومية، بينما تستمر الأغلبية في اعتمادها أساساً للتسعير، على حين يظل استخدام الليرة الجديدة محدوداً في بعض عمليات التداول، ما يكشف عن فجوة واضحة بين النجاح الفني لعملية الاستبدال وبين اكتمال استخدامها في الحياة الاقتصادية اليومية.

تعود هذه الفجوة إلى عدة عوامل، في مقدمتها استمرار النقص في الفئات النقدية الصغيرة من العملة الجديدة مقابل توافر الفئات الكبيرة، وهو ما يفتح الباب أمام تساؤلات حول فلسفة هيكل الإصدار النقدي، وما إذا كانت هذه الأولويات تعود إلى اعتبارات فنية ولوجستية أم إلى رؤية مختلفة لمسار الأسعار مستقبلاً.

في جميع الأحوال، فإن هذا الواقع دفع المواطنين والتجار إلى الاحتفاظ بالعملة القديمة لتسهيل عمليات البيع والشراء وتأمين الباقي، الأمر الذي يثير تساؤلات حول قدرة الأسواق على التكيف مع انتهاء مهلة استبدال العملة نهاية الشهر الجاري إذا لم تتوافر الفئات الصغيرة بالكميات الكافية.

المشكلة لا تقتصر على التداول، بل تمتد إلى التسعير أيضاً، فما دامت معظم الأسعار ما تزال تحدد بالليرة القديمة، فإن مشروع حذف الأصفار يبقى غير مكتمل التطبيق عملياً، فالعملة الجديدة لم تتحول بعد إلى وحدة القياس الأساسية للقيمة، كما أن غياب أجزاء عشر الليرات الجديدة خلق فجوة بين النظام النقدي الجديد ومتطلبات التسعير اليومي، وهو ما حدّ من قدرة العملة الجديدة على أداء إحدى أهم وظائفها الاقتصادية، وهي أن تكون وحدة مستقرة للتسعير والتبادل في آن واحد.

من جهة أخرى، يواصل المصرف المركزي سياسة إدارة  حبس السيولة بهدف الحفاظ على استقرار سعر الصرف والحد من الضغوط التضخمية، وهو هدف وإن كان مشروعاً في ظل الظروف الاقتصادية الراهنة، إلا أن استمرار هذا النهج لفترة طويلة فرض تحدياً يتمثل في تحقيق التوازن بين المحافظة على الاستقرار النقدي وعدم إبطاء النشاط الاقتصادي، فضعف السيولة المتداولة انعكس على القدرة الشرائية وحجم الطلب، وأسهم في تباطؤ الحركة التجارية، بينما بقيت أسعار معظم السلع والخدمات عند مستويات مرتفعة رغم تحسن سعر الصرف وانخفاض أسعار المحروقات، في مشهد يجسد ما يعرف اقتصادياً بظاهرة جمود الأسعار أو عناد الأسعار، حيث تتراجع الأسعار ببطء مقارنة بسرعة ارتفاعها عند زيادة التكاليف.

ولا يمكن تفسير هذه الظاهرة بالسياسة النقدية وحدها، إذ تتداخل معها عوامل أخرى، من بينها ضعف المنافسة في بعض الأسواق، وارتفاع هوامش الأرباح، واستمرار حالة عدم اليقين التي تدفع بعض التجار إلى التحوّط بالإبقاء على الأسعار المرتفعة، فضلاً عن بطء انتقال أثر انخفاض تكاليف الإنتاج والنقل إلى المستهلك النهائي.

ومن هنا، فإن نجاح استبدال العملة لا ينبغي أن يقاس بنسبة الأوراق التي جرى استبدالها فقط، وإنما بمدى قدرة الليرة الجديدة على أن تصبح المرجع الحقيقي للتداول والتسعير في مختلف الأسواق، وهذا يتطلب استكمال إصدار الفئات النقدية الصغيرة، وضمان توزيعها بصورة عادلة بين المحافظات، وتوسيع مراكز الاستبدال، وتسريع الانتقال إلى منظومة تسعير تعتمد الليرة الجديدة بالكامل، إلى جانب تعزيز الرقابة على الأسواق لضمان انتقال أي انخفاض في تكاليف الإنتاج أو النقل إلى أسعار السلع والخدمات.

وفي المقابل، تبدو الحاجة ملحة إلى قدر أكبر من المرونة في إدارة السيولة، بما يحقق التوازن بين استقرار النقد وتحريك عجلة الاقتصاد، مع توجيه التمويل نحو القطاعات الإنتاجية، وتشجيع المنافسة، والحد من الممارسات الاحتكارية، فاستقرار سعر الصرف يظل إنجازاً مهماً، لكنه يفقد جانباً كبيراً من قيمته الاقتصادية إذا لم ينعكس على الأسعار، ولم يشعر المواطن بتحسن ملموس في قدرته الشرائية.

في المحصلة، تمثل عملية استبدال العملة خطوة مهمة على طريق إصلاح النظام النقدي، لكنها ليست نهاية المطاف، فالنجاح الحقيقي لن يتحقق بمجرد اختفاء العملة القديمة من التداول، بل عندما تصبح الليرة الجديدة المرجع الفعلي للتداول والتسعير، وعندما تتحول مؤشرات الاستقرار النقدي إلى نتائج يلمسها المواطن في الأسواق من خلال انخفاض الأسعار، وتحسن النشاط الاقتصادي، واستعادة الثقة بالاقتصاد الوطني.

في نهاية المطاف، لا يقيس المواطن نجاح السياسة النقدية بنسبة الأوراق التي جرى استبدالها، بل بما تستطيع الليرة الجديدة أن تشتريه، وبمدى انعكاس هذا الإصلاح على تفاصيل حياته اليومية.