هناك مدن تُعرف بشوارعها، وأخرى تُعرف بتاريخها، أما جيرود، فأعرفها من رائحة الغبار التي امتزجت بالدم، ومن أصوات النساء التي بقيت معلقة في السماء حتى بعدما سكتت الطائرات، مدينة يكتب تاريخها بخطوط حمر سالت من أجساد أبنائها، وبأنينٍ ظل عالقاً بين جبالها.
في مثل هذا اليوم من تموز 2016، لم تستيقظ المدينة على شمس الصباح، بل على أفواه الطائرات وهي تفتح أبواب الجحيم، كانت السماء منخفضة إلى حد أن الموت بدا وكأنه يمشي فوق أسطح البيوت، يبحث عن نافذة لم يكسرها، أو قلب لم يثقله الفقد بعد.
كل شيء بدأ بعد إسقاط طائرة حربية وأسر طيارها ثم مقتله، لكن الانتقام لم يذهب نحو من حمل السلاح، بل اتجه إلى البيوت التي كانت تغلي بأصوات الأطفال، وإلى الأمهات اللواتي لم يكنّ يعرفن من الحرب سوى انتظار عودة أبنائهن مع غروب الشمس.

في ذلك النهار، لم تكن الصواريخ تميز بين حجر وبشر، ولا بين شيخ ورضيع. كانت تسقط كما يسقط الغضب الأعمى، وتترك خلفها مدينة تشبه كتاباً مزقت صفحاته ريحٌ سوداء.
كنت واحداً من أبناء تلك الحكاية،
لا أكتبها لأنني سمعتها، بل لأن شظاياها ما زالت تسكن جسدي.
أتذكر تلك اللحظة كما لو أنها تحدث الآن، كنا نسابق الزمن لإخراج سكان أحد المباني بعدما أخطأه الصاروخ الأول، اهتزت الأرض وبقي البناء واقفاً، كشيخٍ يتكئ على عصاه يرفض السقوط.
أدركنا أن الطائرة ستعود، وأصبح الزمن يركض، ونحن نركض معه، صرنا نخرج الناس كما يلتقط الإنسان أبناءه من وسط حريق.
كنت أسند بيدي الحاجة أم نحيب، بينما كانت ابنتها فاطمة تسبقنا بخطوات يائسة، كانت الطائرة تدور فوقنا كما يدور نسر حول فريسته.
قلت لها: “ارجعي.. احتمي بين الأبنية”،
رفضت وهي تركض: “سأصل إلى الملجأ”، كانت أمها تصرخ: “ارجعي يا بنتي”.. كانت تستجديها أن تعود،
لكن الصاروخ كان أسرع من رجاء أم.
في لحظة واحدة، انفجر الضوء حتى حسبت أن القيامة قامت، ثم انفجر الهواء نفسه، شعرت بالأرض تقذفني بعيداً، وكأنها تريد أن تنقذني من الموت أو تؤجل موعده قليلاً، لم أعد أسمع سوى صفير طويل يسكن أذني، ولم أعد أرى سوى غبار كثيف ابتلع النهار.
تحسست وجهي، كان الدم يسبق يدي..
ثيابي تمزقت حتى لم يبق منها ما يستر الألم، كانت الشظايا تدخل جسدي كما تدخل الإبر في قطعة قماش، بلا رحمة..
سمعت أحدهم يقول:
“تشهد… تشهد يا محمد”، للمرة الأولى في حياتي، شعرت أن الشهادة ليست كلمة تُقال، بل بابٌ يُفتح بين الدنيا والآخرة.
تشهدت مرة.. ثم أخرى.. وانتظرت النهاية، لكن القلب أصر أن يبقى شاهداً، ثم وقفت مترنحاً، وجدت الحاجة أم نحيب واقفة لا تعرف ماذا أصابها، وقد تمزق غطاء رأسها بينما نجت هي بأعجوبة، لم تقل شيئاً عن نفسها، كل ما خرج من بين شفتيها كان سؤالاً واحداً:
“وين فاطمة؟”
كان السؤال أكبر من المدينة كلها، بحثنا عنها حتى وجدنا الركام قد غطى جثتها، لقد ضمتها الأرض قبل أن تتمكن أمها من ضمها مرة أخيرة.
لم تكن تلك الصورة هي الأقسى،
في الطريق إلى المستشفى الميداني، كانت الطائرة لا تزال تحوم، تصطاد كل من يتحرك، رغم ذلك وصلنا، كان المكان ممتلئاً بالأطفال، طفلة تبكي، أم تضم ابنها، شاب يضغط على جرح أخيه..
وقفت عند الباب وقد امتلأت الغرف بالأطفال والنساء.. نظرت إلى الدماء التي تغطي جسدي، ثم نظرت إلى طفل يبكي وقد سبقني إلى سرير الإسعاف،
عندها شعرت أن جرحي أصغر من أن يزاحم وجع طفل، طلبت من صديقي أن نعود، وأن أترك دوري لمن هو أولى بالحياة.
عدت إلى البيت أخفي دمي،
كنت أخشى على قلب أبي أكثر مما أخشى على جسدي، دخل علي بعد صلاة العصر، ورأى في وجهي شيئاً لم أستطع إخفاءه، سألني مراراً، وكنت أجيبه: “مجرد إرهاق”، كان يكذب عليّ قلبي، بينما كان الدم يفضحني بصمت.
وفي صباح اليوم التالي، لم يكن أهل جيرود يعودون إلى بيوتهم.. كانوا يعودون إلى ذكرياتهم.
عادوا ليجدوا الأبواب قد اقتُلعت، والنوافذ قد اختفت، والجدران قد انحنت من شدة الألم، كانت الخسارة أكبر من أن توصف، حتى العصافير غادرت الأشجار، وكأن الطيور أيضاً فقدت ثقتها، لكن شيئاً واحداً لم يسقط.
أهالي المدينة.. جاءت النساء يحملن المكانس بدل الدموع، وجاء الرجال يحملون المعاول بدل اليأس، وجاء شباب الحارات البعيدة قبل الأقارب، يعيدون تركيب باب هنا، ويرفعون حجراً هناك، ويواسون أماً فقدت ولدها بكلمة وصمت وكتف.
كان النظام يريد أن يحول المدينة إلى مقبرة، لكن أهلها حولوها إلى ورشة حياة، في تلك اللحظة فهمت أن البيوت لا تبنيها الحجارة، بل يبنيها الناس.
انتهت الغارات وغادرت الطائرات سماء جيرود، لكن بعض الشظايا بقيت في جسدي، كلما مررت أمام جهاز التفتيش، كان يفضح وجودها، فأدعي أنها صفائح كسر، أما شظايا الذاكرة، فلا جهاز في العالم يستطيع اكتشافها أو انتزاعها، ولهذا.. ستبقى جيرود مدينة تتذكر شهداءها مهما مر الزمن.







