المشكلة في سوريا اليوم ليست أن اقتصاد الظل كبر بل أن الاقتصاد الرسمي هو الذي صغر.
فعندما تشير التقديرات إلى أن الجزء الأكبر من النشاط الاقتصادي يجري خارج السجلات والضرائب والرقابة والمؤسسات فإن السؤال لم يعد يتعلق بحجم اقتصاد الظل بل بحجم ما تبقى من الاقتصاد الرسمي نفسه.
خلال سنوات الحرب لم ينشأ اقتصاد الظل بوصفه خياراً بل بوصفه وسيلة لبقاء ملايين السوريين وجدوا أنفسهم خارج سوق العمل المنظم، وآلاف المنشآت خرجت من الدورة الاقتصادية الرسمية بينما أصبحت التجارة غير المنظمة والتحويلات غير النظامية والأعمال غير المسجلة جزءاً من الحياة اليومية.
لكن ما كان استجابة مؤقتة للأزمة تحول تدريجياً إلى واقع اقتصادي دائم، وهنا تكمن الخطورة.
فالدول لا تقاس فقط بحجم اقتصادها بل بقدرتها على معرفة هذا الاقتصاد وإدارته وتنظيمه وعندما يصبح الجزء الأكبر من النشاط الاقتصادي خارج الرؤية تفقد السياسات الاقتصادية فعاليتها وتتحول الموازنات العامة إلى تقديرات وتصبح العدالة الضريبية مجرد شعار.
الأخطر أن اقتصاد الظل لا ينافس الاقتصاد الرسمي فحسب بل يعاقبه فالتاجر أو الصناعي الملتزم بالضرائب والرسوم والتراخيص يجد نفسه في مواجهة منافس يعمل خارج كل الالتزامات، ومع الوقت تصبح المخالفة أكثر ربحية من الالتزام ويصبح الخروج من الاقتصاد الرسمي قراراً اقتصادياً منطقيا لا استثناء.
لهذا فإن المعركة الحقيقية ليست ضد الباعة الصغار أو الورش غير المسجلة بل ضد البيئة التي دفعت النشاط الاقتصادي إلى الهروب من الأصل، فكلما ازدادت الضرائب المعقدة والرسوم والإجراءات والبيروقراطية وضعفت الثقة بالمؤسسات اتسعت مساحة الظل وانكمشت مساحة الاقتصاد المنظم.
لا يمكن لسوريا أن تبني تعافياً اقتصادياً مستداماً بينما يدور معظم النشاط الاقتصادي خارج المنظومة الرسمية كما لا يمكن زيادة الإيرادات العامة أو جذب الاستثمارات أو توفير حماية اجتماعية حقيقية للعاملين في ظل اقتصاد لا تراه الدولة.
التحدي اليوم ليس القضاء على اقتصاد الظل فهذا هدف غير واقعي حتى في أكثر الدول تقدماً، التحدي هو جعل العودة إلى الاقتصاد الرسمي أكثر جدوى وربحية وأماناً من البقاء خارجه،
فالاقتصاد الذي يعيش في الظل قد يساعد على البقاء لكنه لا يستطيع أن يصنع التنمية.





