يُعدّ نهر الفرات أحد أهم الأنهار العابرة للحدود في الشرق الأوسط، إذ ينبع من تركيا ويعبر سوريا وصولاً إلى العراق قبل أن يلتقي بنهر دجلة مكوّناً شط العرب. ويبلغ طول النهر نحو 2940 كيلومتراً، منها حوالي 1176 كم داخل تركيا، و610 كم داخل سوريا، و1160 كم داخل العراق.
وشكّلت مياه نهر الفرات محوراً رئيسياً للخلافات السياسية والاستراتيجية بين تركيا وسوريا والعراق منذ منتصف القرن العشرين، خصوصاً مع توسع مشروعات السدود التركية ضمن مشروع جنوب شرق الأناضول (GAP). وعلى الرغم من عشرات الاجتماعات الفنية والسياسية، لم يتم حتى اليوم التوصل إلى اتفاق ثلاثي شامل وملزم يحدد الحصص النهائية للدول الثلاث من مياه الفرات، بل ما زالت العلاقات المائية تستند إلى بروتوكولات واتفاقات ثنائية مؤقتة.
أولاً: اتفاقية تركيا – العراق لعام 1946
في عام 1946 وقّعت تركيا والعراق اتفاقية صداقة وحسن جوار تضمنت مواد خاصة بالتعاون المائي وإدارة نهري دجلة والفرات.
ومن أبرز بنودها، تبادل المعلومات الهيدرولوجية، والتشاور بشأن المشروعات المائية المستقبلية، والتعاون في مراقبة تدفقات الأنهار المشتركة، وإنشاء آليات فنية مشتركة لدراسة الموارد المائية.
وتُعد؟ هذه الاتفاقية الأساس القانوني الذي استندت إليه لاحقاً اللجان الفنية المشتركة بين البلدين.
ثانياً: اللجنة الفنية المشتركة (1980)
في عام 1980 أسست تركيا والعراق لجنة فنية مشتركة للمياه الإقليمية، قبل أن تنضم سوريا إليها لاحقاً.
ومن أهداف اللجنة، تبادل البيانات الهيدرولوجية، ودراسة الاحتياجات الزراعية والمائية، ومناقشة مشروعات السدود الكبرى، ومحاولة الوصول إلى صيغة لتقاسم المياه.
إلا أن اللجنة لم تنجح في التوصل إلى اتفاق نهائي بشأن الحصص المائية للدول الثلاث.
ثالثاً: بروتوكول تركيا – سوريا لعام 1987
يُعدّ بروتوكول التعاون الاقتصادي الموقع في 17 تموز 1987 أهم اتفاق مائي على نهر الفرات حتى اليوم.
وقد تعهدت تركيا بإطلاق 500 متر مكعب في الثانية كحد أدنى عند الحدود التركية – السورية، ويعادل ذلك نحو 15.8 إلى 16 مليار متر مكعب سنوياً، ونصّ البروتوكول على تعويض أي نقص شهري في التدفق خلال الشهر التالي، واعتُبر الاتفاق “ترتيباً مؤقتاً” إلى حين التوصل إلى اتفاق نهائي بين الدول الثلاث.
وتكمن أهمية الاتفاق بأن أصبح رقم 500 م³/ثانية المرجع الأساسي الذي تستند إليه سوريا والعراق عند الحديث عن حقوقهما المائية في الفرات.
رابعاً: اتفاق سوريا – العراق لتقاسم المياه (1989/1990)
بعد توقيع بروتوكول 1987، وقعت سوريا والعراق محضراً مشتركاً جرى تثبيته قانونياً عام 1990 لتوزيع المياه القادمة من تركيا.
وتم بموجبه توزيع المياه:
58 بالمئة للعراق, و42 بالمئة لسوريا، وبناءً على الحد الأدنى التركي البالغ 500 م³/ثانية، يحصل العراق على| 58 بالمئة| 290 م³/ثانية، وتحصل سوريا على| 42 باالمئة| 210 م³/ثانية.
ويُعدّ هذا الاتفاق نافذاً بين بغداد ودمشق حتى اليوم باعتباره الإطار العملي لتوزيع مياه الفرات بين البلدين.
خامساً: مذكرات التفاهم التركية العراقية (2009)
شهد عام 2009 توقيع مذكرة تفاهم جديدة بين تركيا والعراق ضمن حزمة واسعة من الاتفاقيات الثنائية.
وأبرز بنود مذكرة التفاهم، تبادل البيانات الهيدرولوجية والمناخية، والتعاون الفني في إدارة الموارد المائية، وتطوير آليات الإنذار المبكر للجفاف، وتبادل الخبرات في إدارة السدود، لكن المذكرة لم تحدد حصصاً رقمية ملزمة للعراق من مياه الفرات أو دجلة.
أزمة الحصص المائية الحالية
رغم وجود هذه الاتفاقيات، فإن بغداد ودمشق تؤكدان بصورة متكررة أن الإطلاقات المائية القادمة من تركيا تنخفض أحياناً عن الحد المتفق عليه البالغ 500 م³/ثانية.
وتشير تقارير محلية وإقليمية إلى أن التدفقات هبطت في بعض الفترات إلى أقل من 200 م³/ثانية نحو سوريا، ونحو 150 م³/ثانية في بعض مراحل الجفاف الحادة.
وتربط تركيا هذه التغيرات بعوامل مناخية وفترات ملء السدود، بينما تعتبر سوريا والعراق ذلك يمثل إخلالاً بالتفاهمات السابقة.
وعلى الرغم من مرور أكثر من أربعة عقود من المفاوضات، فإنه لا يوجد اتفاق ثلاثي ملزم بين تركيا وسوريا والعراق، ولا توجد حصص نهائية معترف بها دولياً لكل دولة، وما زالت اتفاقيات 1987 و1990 تُعامل بوصفها ترتيبات مؤقتة.
ويرى خبراء المياه أن مستقبل حوض الفرات سيظل مرتبطاً بإنشاء نظام إقليمي دائم لتقاسم المياه يعتمد على قواعد القانون الدولي للأنهار المشتركة ومبدأ الاستخدام المنصف والمعقول للموارد المائية العابرة للحدود.





