الوطن – أسرة التحرير
منذ تولّي السلطات الجديدة إدارة البلاد عقب إسقاط نظام بشار الأسد، برز تحوّل واضح في مقاربة سوريا لعلاقاتها الخارجية، عنوانه الانفتاح والتوازن والعودة إلى العمل الدبلوماسي الفاعل ضمن الأطر الدولية، فبعد سنوات طويلة اتسمت بالتوتر مع عدد كبير من الدول والمنظمات الدولية نتيجة تداعيات الحرب التي شهدتها البلاد، تسعى دمشق اليوم إلى بناء شبكة علاقات قائمة على المصالح المشتركة واحترام القانون الدولي وتعزيز التعاون متعدد الأطراف.
وترى مصادر إعلامية متابعة في دمشق أن هذا التحوّل لم يأتِ في إطار شعارات سياسية عامة، كما الوضع في السابق، بل تُرجم إلى خطوات عملية ومتتابعة عكست نية الإدارة الجديدة في إعادة تموضع سوريا على الساحة الدولية بوصفها دولة تسعى إلى الشراكة والتعاون، بعيداً عن سياسات الاستقطاب الحاد التي طبعت مراحل سابقة من تاريخها الحديث، وقد بدا ذلك جلياً من خلال انخراطها المتزايد في المبادرات الدولية ذات الطابع الإنساني والقانوني، إلى جانب مشاركتها الفاعلة في الجهود الأممية الرامية إلى مواجهة التحديات العابرة للحدود.

وفي هذا السياق، حمل انضمام سوريا، قبل نحو شهر، إلى “المبادرة العالمية لتجديد الالتزام السياسي بالقانون الدولي الإنساني” أهمية خاصة، لكونه يعكس توجهاً رسمياً نحو تعزيز احترام القواعد الناظمة للنزاعات المسلحة وحماية المدنيين، وهي قضايا اكتسبت حساسية استثنائية في ضوء التجربة السورية خلال السنوات الماضية، كما شكلت هذه الخطوة رسالة سياسية مفادها أن الدولة السورية الجديدة تسعى إلى بناء علاقتها مع المجتمع الدولي على أساس الالتزام بالمعايير القانونية والإنسانية المعترف بها عالمياً.
في الإطار ذاته، جاء انضمام دمشق إلى مجموعة “أصدقاء مكافحة جريمة الاتجار بالبشر التي تيسرها التكنولوجيا”، ليؤكد رغبتها في المساهمة بمواجهة التهديدات المستجدة المرتبطة بالجريمة المنظمة العابرة للحدود، فالموقع الجغرافي لسوريا والتحديات التي واجهتها خلال سنوات الحرب منحاها خبرة عملية في التعامل مع شبكات التهريب والاتجار بالأشخاص، ما يجعل مشاركتها في هذه الجهود الدولية إضافة ذات قيمة على مستوى تبادل الخبرات والتنسيق الأمني والقانوني.
ولا بد هنا من الحديث عن تولّي سوريا، قبل أشهر، رئاسة المجموعة العربية لدى الأمم المتحدة، إذ يعكس هذا الأمر عودة دمشق إلى لعب دور نشط داخل الأطر العربية والدولية بعد سنوات من التراجع والعزلة، كما يعبّر عن مستوى متقدم من الثقة السياسية المتبادلة بينها وبين الدول العربية، في ظل حرصها على تعزيز التنسيق الجماعي والدفاع عن القضايا المشتركة ضمن مؤسسات الأمم المتحدة.
ويبدو أن السمة الأبرز في السياسة الخارجية السورية الجديدة هي الابتعاد عن منطق المحاور والتكتلات المغلقة، والاعتماد بدلاً من ذلك سياسة خارجية أكثر مرونة واتزاناً، فالإدارة الحالية تدرك أن استعادة المكانة الإقليمية والدولية لسوريا تتطلب بناء علاقات متوازنة مع مختلف الأطراف، وتغليب لغة الحوار والتعاون على حساب الاصطفافات التي ساهمت في تعقيد المشهد السياسي خلال العقود الماضية.
ومع استمرار الدعم الدولي لمسار الاستقرار وإعادة البناء، تبدو الدبلوماسية السورية أمام فرصة حقيقية لترسيخ حضورها كعامل تواصل وتعاون، مستفيدة من مرحلة جديدة تسعى فيها البلاد إلى تجاوز إرث الصراع والانخراط بصورة أكثر فاعلية ومسؤولية في محيطها العربي والإقليمي والدولي.








