لم تكن الصور والتسريبات التي خرجت تباعاً من مشفى تشرين العسكري بعد سقوط النظام البائد مجرد وقائع جنائية معزولة أو تجاوزات فردية يمكن تفسيرها بانحراف أشخاص عن أخلاقيات مهنتهم، بل كشفت عن انهيار أخلاقي وإنساني عميق أصاب إحدى أكثر المهن قداسة في التاريخ البشري.
فحين يتحول الطبيب الذي أقسم على حماية الحياة إلى شريك في القتل والتعذيب وسرقة الأعضاء البشرية، فإن الجريمة لا تقع على الضحية وحدها، بل تصيب ضمير المجتمع والإنسانية بأكملها.
وعلى امتداد عقود، ارتبطت مهنة الطب في الوعي الإنساني بالرحمة والنجدة وتخفيف الألم، لكن ما تكشفه التحقيقات والاعترافات الأخيرة بشأن ما جرى داخل مشفى تشرين العسكري يضع العالم أمام نموذج مرعب لكيفية قدرة الأنظمة الاستبدادية على تحويل المؤسسات الإنسانية إلى أدوات قمع وقتل منظم، فالمكان الذي يفترض أن يكون ملاذاً للمرضى والجرحى تحول، وفق شهادات واعترافات متقاطعة، إلى فضاء تختلط فيه غرف العمليات بغرف التعذيب، وتتحول فيه أجساد المعتقلين إلى مواد خام لمشاريع إجرامية لا يكاد العقل يصدق حدوثها.

والأكثر صدمة أن المتورطين لم يكونوا عناصر أمن عاديين أو منفذين صغاراً، بل أطباء وضباطاً يفترض أنهم يحملون أعلى الدرجات العلمية والاختصاصات الدقيقة في الجراحة والعناية المشددة، وأشخاص أمضوا سنوات طويلة في الجامعات، ثم انتهى بهم الأمر إلى المشاركة في انتزاع أعضاء بشرية من معتقلين عاجزين أو التستر على جرائم تمس أبسط القيم الإنسانية.
فالاعترافات التي كشفتها وزارة العدل حول انتزاع كبد أحد المعتقلين المحتجزين لدى فرع 215 وزرعه لأحد الضباط النافذين لا تمثل مجرد جريمة قتل، بل تكشف طبيعة منظومة كاملة كانت ترى الإنسان مجرد أداة يمكن التصرف بها وفق مصالح أصحاب السلطة والنفوذ، فالمعتقل الذي وصفته التحقيقات بأنه كان سليماً معافى لم يُنظر إليه بوصفه إنساناً له حق الحياة والكرامة، بل باعتباره مخزوناً بيولوجياً يمكن اقتطاع أعضائه لخدمة شخص آخر يتمتع بالحظوة السياسية والأمنية.
وإذا كانت هذه الواقعة وحدها كافية لإثارة الرعب، فإن ما يجعلها أكثر خطورة هو أنها تعيد فتح ملفات وشهادات كثيرة تحدثت طوال السنوات الماضية عن شبكات محتملة لسرقة الأعضاء البشرية داخل المشافي العسكرية ومراكز الاحتجاز، فالتقارير والشهادات التي خرجت من منشقين وناجين رسمت صورة لمشفى لم يعد يؤدي وظيفة طبية، بل أصبح جزءاً من منظومة أمنية مغلقة تتجاوز حدود الانتهاكات التقليدية إلى ما يشبه الجريمة المنظمة العابرة للحدود.
وهنا تبدو العدالة الانتقالية اليوم ليست خياراً سياسياً أو مطلباً انتقامياً، بل ضرورة أخلاقية ووطنية لحماية مستقبل سوريا، فالضحايا وعائلاتهم لا يبحثون فقط عن معاقبة المجرمين، بل عن الحقيقة أيضاً، يريدون معرفة أسماء أبنائهم ومصائرهم، وكيف انتهت حياتهم، ومن أصدر الأوامر ومن نفذها ومن تستر عليها، ومن دون هذه الحقيقة ستبقى الجراح مفتوحة.
إن محاسبة المتورطين في جرائم مشفى تشرين لا تعني الاقتصاص من أفراد فحسب، بل تمثل إعلاناً واضحاً بأن سوريا الجديدة ترفض أن يتحول الطب إلى أداة قتل، وأن المستشفيات خُلقت لإنقاذ الإنسان لا لذبحه، فالأوطان تُبنى بالعدالة، وفي ذلك وحده إنصاف للضحايا ورسالة للأجيال القادمة بأن ما جرى في تلك الغرف المظلمة لن يتكرر مرة أخرى.
الوطن – أسرة التحرير








