البيان المشترك الصادر في ختام محادثات وزيري خارجية سوريا والعراق أسعد الشيباني وفؤاد حسين يمكن اعتباره تتويجاً لتحركات تقارب من الجانبين شهدتها الفترة السابقة، وعكست رغبة متبادلة في الانتقال بالعلاقات الثنائية إلى مستوى أكثر تنظيماً يقوم على التنسيق المستمر وتفعيل المصالح المشتركة.
فقد أعلن الجانبان، خلال اللقاء الذي عقد في دمشق، الاتفاق على تشكيل لجنة عليا للتنسيق المشترك برئاسة وزيري خارجية البلدين، تكون مهمتها متابعة تنفيذ مخرجات التعاون الثنائي وتنسيق الجهود في مختلف المجالات، في خطوة تحمل دلالة على توجه البلدين نحو بناء آلية مؤسساتية قادرة على إدارة ملفات التعاون وتطويرها.
وتضمن البيان المشترك، كذلك، بحث جملة من الملفات الحيوية، في مقدمتها نقل وعبور إمدادات الطاقة، ومشروع إعادة تأهيل أنابيب نقل النفط من العراق إلى سورية، إلى جانب تعزيز التعاون في مجالي المياه والزراعة، بما يدعم الأمن الغذائي والتكامل الاقتصادي بين البلدين، كما أكد الطرفان أهمية تعزيز التنسيق الأمني والتعاون المشترك بما يخدم أمن البلدين واستقرار المنطقة.

ويأتي هذا المسار بعد سلسلة من الخطوات العملية التي شهدتها العلاقات السورية–العراقية خلال الأشهر الماضية، حيث انتقلت الاتصالات من الإطار السياسي العام إلى خطوات ميدانية مرتبطة بحركة التجارة والنقل والطاقة، ففي أواخر نيسان الماضي، افتتح الجانبان منفذ اليعربية- ربيعة الحدودي بين سورية والعراق، بعد أعمال تأهيل وصيانة مشتركة شملت المرافق الخدمية والطرق الداخلية وصالات المسافرين والجمارك، بما يسهم في استئناف حركة العبور وتنشيط التبادل التجاري.
وقبل ذلك بأيام، في الشهر ذاته، افتتح منفذ التنف- الوليد الحدودي في إطار تعزيز التعاون الثنائي وتفعيل حركة العبور التجاري وترانزيت البضائع، ورافق افتتاح المنفذ جولة مشتركة للاطلاع على جاهزية البنية التحتية والإجراءات التشغيلية، ومتابعة حركة الصهاريج وشاحنات الترانزيت، في مؤشر على اهتمام البلدين بإعادة تنشيط الممرات البرية ودورها الاقتصادي.
كما شكل ملف الطاقة محوراً أساسياً في مسار التقارب، حيث شهدت بغداد لقاءات بين الجانبين بحثت إمكانية إعادة إحياء خط نقل النفط كركوك–بانياس، من خلال لجنة فنية مشتركة تدرس واقع الخط وخيارات تأهيله، باعتباره مشروعاً يمكن أن ينعكس إيجاباً على اقتصاد البلدين، وتزامن ذلك مع بحث التعاون في مجالات الطاقة والكابل الضوئي والاستثمار المشترك، إضافة الى التعاون الأمني ولا سيما التنسيق المشترك في مكافحة المخدرات والجريمة المنظمة.
وفي السياق ذاته، جدد الجانب العراقي تأكيده دعم استقرار سورية وسيادتها، والعمل على تعزيز التنسيق لمواجهة التحديات المشتركة، فيما شددت اللقاءات المتبادلة على عمق الروابط التاريخية والجغرافية التي تجمع البلدين.
وبذلك يبدو أن العلاقات السورية- العراقية تدخل مرحلة جديدة عنوانها الانتقال من إدارة الملفات المتفرقة إلى صياغة شراكة أكثر شمولاً، ترتكز على المصالح الاقتصادية والأمنية، وتستفيد من الموقع الجغرافي للبلدين كممر حيوي يربط المشرق العربي بمحيطه الإقليمي.
الوطن – أسرة التحرير








