شهد الجنوب السوري مؤخراً تطورات ميدانية متسارعة، تمثلت بتصاعد ملحوظ في الاعتداءات والانتهاكات الاسرائيلية لاتفاقية فك الاشتباك الموقعة في عام 1974.
وشملت الاعتداءات والانتهاكات التي تقوم بها قوات الاحتلال منذ سقوط نظام بشار الأسد البائد أواخر عام 2024 عمليات توغل برية وغارات جوية استهدفت عدداً من القرى والمناطق في ريف درعا وحوض اليرموك والقنيطرة وريف دمشق ومنشآت في العاصمة السورية، وقصفاً مدفعياً واعتقالات واستهدافاً لمدنيين، في إطار ما تزعم إسرائيل بأنه يهدف إلى حماية أمنها ومنع تشكل تهديدات بالقرب من حدودها.
وأحدث هذه الاعتداءات والانتهاكات ما شهدته قرية عابدين بمنطقة حوض اليرموك بريف درعا الغربي، خلال اليومين الماضيين، من تصعيد عسكري كبير لجيش الاحتلال في المنطقة، تخلله محاولات توغل بري وقصف مدفعي وإطلاق نار ما أدى الى نزوح قسم من السكان الى القرى المجاورة.

وفي ظل الظروف السياسية والعسكرية التي تمر بها سوريا، والمتغيرات السياسية الإقليمية، يطرح السؤال: ماذا تريد إسرائيل من هذا التصعيد؟
توسيع لرقعة الاحتلال
الباحث السياسي في الشأن السوري محمد سليمان، يوضح أن التطورات الميدانية الأخيرة حتى نهاية حزيران الحالي تشير إلى تصاعد ملحوظ في النشاط العسكري الإسرائيلي داخل جنوب سوريا، حيث نفذت قوات الاحتلال عمليات توغل برية وغارات جوية استهدفت عدداً من القرى والمناطق في ريف درعا وحوض اليرموك والقنيطرة، وشملت هذه العمليات قصفاً مدفعياً واعتقالات واستهدافاً لمدنيين، في إطار ما تعلنه إسرائيل بأنه يهدف إلى حماية أمنها ومنع تشكل تهديدات بالقرب من حدودها، ولكنها في الواقع تسعى إلى زيادة امتداد الاراضي المحتلة مستعينة بالقوى المفرطة التي تمتلكها.
الاتفاق اللبناني – الإسرائيلي
التصعيد الإسرائيلي لا يقتصر على هذه العمليات الأخيرة، إذ سبق لقوات الاحتلال الاسرائيلية أن شنت غارات واسعة على مواقع عسكرية سورية في مناطق مختلفة، بما في ذلك محيط العاصمة دمشق، إلى جانب تعزيز وجودها وسيطرتها الفعلية على عدد من المناطق الحدودية ذات الأهمية الاستراتيجية.
ويأتي هذا التصعيد في وقت تشهد فيه المنطقة تطورات سياسية وأمنية مهمة، أبرزها التوصل إلى إطار اتفاق بين كيان الاحتلال ولبنان برعاية أمريكية، يتضمن وقفاً لإطلاق النار، وانسحاباً إسرائيلياً جزئياً من جنوب لبنان، مع تعزيز انتشار الجيش اللبناني وتطبيق آليات أمنية تتعلق بجنوب نهر الليطاني، ورغم استمرار الاعتراضات على بعض بنود الاتفاق، فإنه يمثل خطوة نحو تهدئة نسبية على الجبهة اللبنانية.
ورأى الباحث سليمان، أن تراجع حدة المواجهة على الحدود اللبنانية قد يمنح قوات الاحتلال فرصة لإعادة توجيه اهتمامها العسكري نحو الساحة السورية، بهدف تعزيز مكاسبها الأمنية والاستيطانية على الحدود الجنوبية لسوريا، وترسيخ سيطرتها على المواقع الاستراتيجية، مستفيدة من الضغوط الدولية التي تدفع نحو تثبيت الاستقرار في لبنان.
الرفض السوري للتدخل عسكرياً في لبنان
وأكد الرئيس أحمد الشرع مؤخرا في مقابلة مع قناة المشهد، رفضه لأي تدخل عسكري سوري في لبنان لنزع سلاح ميليشيا “حزب الله”، مع تأكيده دعم مؤسسات الدولة اللبنانية ورفضه الحلول العسكرية لمعالجة هذا الملف. كما ركز الرئيس الشرع على أهمية ضبط الحدود ومنع التهريب، مع إبداء استعداد للحوار إذا كان ذلك يحقق مصالح مشتركة.
وربط الباحث سليمان بين ما يجري من تصعيد اسرائيلي في الجنوب السوري والموقف الذي أعلنه الرئيس الشرع، موضحاً أن إسرائيل قد تفسر موقف الرئيس الشرع أنه “رفض للتعاون الأمني بالشكل الذي تسعى إليه”.
ما علاقة محادثات الاتفاق الأمني؟
وعلى الرغم من التصعيد الذي تقوم به قوات الاحتلال منذ اليوم الأول لسقوط النظام البائد، عقدت السلطات السورية الجديدة وتل أبيب جولات عدة من المحادثات. واتفقتا برعاية أميركية في كانون الثاني الماضي على إنشاء آلية تنسيق مشتركة، تمهيداً لاتفاق أمني بين الجانبين اللذين يعدّان في حالة حرب منذ عقود.
واعتبر الباحث سليمان، أن الاحتلال الإسرائيلي قد يستخدم هذا التصعيد العسكري الحالي ليكون وسيلة ضغط لدفع السلطات السورية نحو ترتيبات أمنية جديدة تتضمن تقديم ضمانات تتعلق بمنع الوجود العسكري للقوى الحليفة لإيران، ووقف تهريب الأسلحة، وتعزيز التنسيق الأمني على الحدود.
ويُعد توسيع الحزام الأمني في جنوب سوريا أحد الأهداف التي يعتقد أنها تحظى بأولوية لدى الاحتلال الإسرائيلي، حسب الباحث سليمان، الذي أشار إلى أن اسرائيل تواصل منذ فترة العمل على تعزيز سيطرتها على المناطق العازلة والمرتفعات الاستراتيجية، إلى جانب استهداف البنية العسكرية السورية، بهدف إنشاء واقع أمني يمنع اقتراب أي قوة تعتبرها معادية من حدودها، وهو نهج يشبه إلى حد كبير السياسات التي اتبعتها سابقاً في مناطق حدودية أخرى.
الوطن – أسرة التحرير








