ليس التراث السوري المادي وحده ما يحكي قصة هذه البلاد العريقة، بل للتراث اللامادي دور كبير ومهم، ولا يقتصر الأخير على الفنون والعادات المتوارثة فقط، بل تمتد جذور الهوية إلى أعماق المطبخ التقليدي، حيث تنبض الأطباق الشعبية بذاكرة الأجيال وتختزل عادات الضيافة والمناسبات الاجتماعية في قالب واحد من نكهات لا تنسى.
فمن “الكبة” إلى “المحاشي”، ومن المقبلات الباردة إلى الحلويات الشرقية الشهية، استطاع المطبخ السوري أن يفرض حضوره ضمن قائمة أفضل 50 مطبخاً في العالم، ليكون مرآة عاكسة لتاريخ المجتمعات التي تعاقبت على هذه الأرض وطبيعة حياتها الاقتصادية والزراعية، إضافةً إلى كونه جسراً يوصل العادات بين الأجيال.
واللافت في ثقافة الطعام السورية أنها تتغير بإيقاع الفصول؛ فطبخات الصيف تأتي خفيفة متناغمة مع ارتفاع درجات الحرارة، بينما تميل طبخات الشتاء إلى الدسومة، تلبية لحاجة الجسد للطاقة في مواجهة البرد القارس.
وفي هذا السياق، توضح السيدة أم حسن أن البيت السوري يتميز بـ”المونة”، وهي حفظ مواد الطبخ لاستخدامها خارج مواسمها، لضمان تنوع الطعام على مدار العام، ولتوفير خيارات غذائية في الفترات التي تشح فيها المنتجات الطازجة.
وتؤكد أم حسن أنه رغم التحولات الاجتماعية، لا تزال الأمهات السوريات يبدأن بتعليم بناتهن فنون الطبخ منذ سن الثانية عشرة، في عملية متكاملة تشمل إتقان الوصفات وتزويق “السفرة”، مشيرةً إلى أن الطبخ عند النساء شيء مقدس، وهو ما يتجلى في استمرار حتى الطبيبات والمهندسات بإعداد الطعام بأنفسهن، وفي رفض بعض ربات البيوت مشاركة الخادمات في تحضيره.
فيما يوضح عادل رياض وهو أحد سكان دمشق أن أبرز ما يعكس مكانة الطهي في المجتمع السوري هو انتشار الألقاب المرتبطة به، كآل “الشوا”، و”الطحان”، و”الطبّاخ”، و”العشي”، و”الفوال”، و”الحمصاني”، و”القضيماتي”، و”الحلواني”، و”الملّاح”، و”الخبّاز”، و”الكنيفاتي”، و”السمّاك”، و”الصياد”، و”العجان”، و”سماقية”، و”كوسا”، و”قبوات”، ما يشير إلى اعتزاز الأسر بهذا الإرث المهني، لافتاً أن هذا التقليد العريق يواجه تحديات معاصرة؛ إذ تشير الملاحظات إلى تراجع اهتمام بعض الفتيات بالطبخ التقليدي، باعتباره دسماً لا يتناسب مع متطلبات الرشاقة، ويستغرق وقتاً طويلاً ويحتاج إلى مهارة وخبرة.
ومن منزلها في دمشق، وجدت السيدة أم خالد، التي تعمل معلمة صف، فرصتها في عالم الطهي بعد أن أبدت جارتها إعجابها الشديد بوجبة غداء أعدتها لها، لتتحول بعد ذلك إلى حديث الحي وتتلقى الدعم من مجموعة من النسوة للتواصل مع المطاعم والجمعيات.
وتقول أم خالد: “كان من المدهش لي أن أحظى بتلك الفرصة وأنال كل هذا الرضا، إنها فرصة لتقديم أنفسنا وثقافتنا في الطبخ، لكنها تستدرك محذرة من تحول الطبخ إلى مهنة من لا مهنة له، مشددة على أن وجود قنوات “يوتيوب” المليئة بالوصفات لا يعني تحول الشعب كله إلى طباخين، خاصة إذا كان المشروع تجارياً ويحمل هوية الطعام السوري.
وفي مصر، وجد المطبخ السوري بيئة خصبة للانتشار، فيرى الشيف معاذ الباشا الذي عاد بعد التحرير لينطلق بمشروعه الخاص في دمشق أن هذا المطبخ يمزج بين الحضارات التي تعاقبت على بلاد الشام، من بلاد الرافدين إلى مصر القديمة، ومن الرومانية إلى العثمانية، كل ترك بصمته على مكوناته وأطباقه.
ويضيف أن بعض الأطباق تداخلت أصولها، كـ”الكبة” التي باتت أكلة شعبية على المائدة المصرية، والقطائف التي صنفها التاريخ كمصرية لكنها أصبحت وصفة شامية أصيلة.
كما أكد الباشا أن المصريين وصفوا الطعام السوري بأنه فاق حد المذاق، معتبرين أن السوريين معروفون بحلو اللسان وحسن المظهر ورقي الضيافة، وهذه السمات ساهمت في تمرير وجودهم، وعززت المنافسة وتحسين المنتج الغذائي في السوق المصرية.
ويتوقف الشيف محمد عبد الله عند التنوع الإقليمي للمطبخ السوري، مشيراً إلى أن كل مدينة سورية لها أطباقها الخاصة وطرقها المميزة في الطهي، فحلب تشتهر بـ”الكبة” والكباب، ودمشق بالمقبلات والحلويات، والساحل بأطباق السمك والمأكولات البحرية، ما يعكس الغنى الثقافي والجغرافي للبلاد في قالب طهوي موحد.
ويخلص عبد الله إلى أن هذا التنوع الإقليمي يسهم في تشكيل الهوية الحضارية لسوريا كمزيج من الخصوصيات المحلية والقواسم المشتركة، ضمن إرث طهوي يعكس التراكم الحضاري والتفاعل الثقافي الذي يميز هذه البقعة من العالم.






