يرى الدكتور عبد الرحمن محمد، أستاذ التمويل والمصارف في كلية الاقتصاد بجامعة حماة، أن قرار وزير المالية بوقف الملاحقات القانونية لمتعثري قروض بنك الاستثمار الأوروبي يأتي في سياق استثنائي يهدف إلى امتصاص الصدمات الاجتماعية والاقتصادية، وإعادة هيكلة مديونية القطاع الخاص بعيداً عن أدوات الإكراه، بوصفه إجراءً مرحلياً ريثما تنتهي اللجنة الوطنية من أعمالها، فإن القرار يطرح إشكاليات دقيقة تتعلق بتوازن المصالح بين الدولة بوصفها ضامناً، والجهة المُقرِضة الدولية، والبنوك المحلية، والمتعثرين أنفسهم.
وأوضح محمد أن القرار يحمل في الظروف الراهنة وجهين، الأول إيجابي من حيث إزالة الخوف وفتح قناة حوار طوعي مع المتعثرين الذين قد يكون تعثرهم ناتجاً عن عوامل قاهرة، والثاني سلبي يتمثل في خطر المخاطرة الأخلاقية، إذ قد يفسره البعض كإعفاء ضمني من الالتزامات.
وبيّن أن تحفيز المتعثرين على الجدولة الطوعية لن يتحقق تلقائياً، بل يبقى مرهوناً بتصميم حوافز واضحة ومحددة زمنياً من اللجنة الوطنية، مثل الإعفاء الجزئي من الفوائد المتراكمة أو إعادة هيكلة الدين مقابل ضمانات إضافية.

وأضاف: إن الوقف المؤقت قد يتحول، من دون هذه الحوافز، إلى حالة ترقّب سلبية من دون إنتاجية تسديدية حقيقية.
منطقة رمادية
وأشار محمد إلى أن القرار، من الناحية القانونية، لا يضع البنوك المحلية بالضرورة في موقع المخالف لاتفاقيات التمويل الدولية، لكونه إجراءً مؤقتاً من الدولة بصفتها الضامن النهائي، ولم يُسقط أصل الدين، لكنه رأى أن القرار يمثل، من الناحية الإجرائية، منطقة رمادية شديدة الحساسية، لأن بنك الاستثمار الأوروبي ينظر إلى أي تأخير في الإنفاذ القانوني باعتباره إضعافاً لآلية استرداد القرض.
ولفت إلى أن التداعيات المحتملة على التصنيف الائتماني للبنوك المحلية حقيقية، إذ قد يُترجم هذا الوقف إلى ارتفاع في مخاطر التدخل السيادي السلبي، ما يرفع تكلفة الاقتراض مستقبلاً، ويفرض شروطاً أكثر صرامة في اتفاقيات التمويل الجديدة مع المؤسسات الدولية.
مقاربة ثلاثية
ورأى محمد أن اللجنة الوطنية تستطيع تحقيق التوازن عبر مقاربة ثلاثية الأبعاد، تبدأ بحماية المركز المالي للبنك من خلال مطالبة الدولة، بصفتها صاحبة القرار، بتعويض البنك عن تكلفة فترة الانتظار أو إصدار سندات خزينة لمصلحته، ما يعزل محفظة الضمانات عن الانهيار.
وتتضمن المقاربة، بحسب محمد، منح المتعثرين فرصة حقيقية عبر إنشاء نافذة زمنية محدودة للتسوية، مرفقة بدراسة وتحليل مالي دقيق لحالات التعثر، ما يميز بين العاجز عن الدفع هيكلياً وبين المماطل.
أما البعد الثالث فيرتبط بالأدوات البديلة، حيث يمكن للجنة اعتماد مبادلة الديون بالأسهم، عبر تحويل ديون المتعثرين إلى حصص في مشاريعهم، أو تقديم تمويل ميسّر مشروط بالإنتاج والتصدير، ما يمكّن المتعثر من السداد من عوائده.
ووفق محمد، فإن هذه الآلية تضمن سداد التزامات المصارف تجاه البنك الأوروبي من دون تحميل الموازنة العامة أعباء فورية مباشرة، بل عبر آلية استثمارية استردادية.
من تجميد الملاحقات إلى نظام وطني للإعسار
واعتبر محمد، من منظور أكاديمي اقتصادي، أن القرار ليس نهاية المطاف، بل بداية سباق دبلوماسي واقتصادي مع الزمن، فوقف الملاحقات من دون بديل سيادي واضح لضمان السداد يضعف ركيزة مصداقية الدولة في ضمان التزاماتها، وهي رأس المال الأعلى في علاقاتها مع المؤسسات المالية الدولية.
وأكد أن الحل المستدام يكمن في تحويل الأزمة إلى فرصة لتصميم نظام وطني لإعسار المشاريع الصغيرة والمتوسطة، ويشرك المصارف والجهات الدولية، وينقل الدولة من موقع الضامن لالتزامات الماضي إلى شريك ضامن للمستقبل الإنتاجي للمتعثرين، عبر شروط إعادة هيكلة مرتبطة بنتائج الأداء الاقتصادي الفعلي.
وختم محمد بالقول إن الإعفاء من الغرامات والفوائد لن يكون مقبولاً من البنك الأوروبي إلا إذا جاء ضمن اتفاق تفاوضي شامل ومبرر بقوة قاهرة، أما إذا تم كقرار سيادي منفرد وغير متفاوض عليه، فإنه سيكون بمثابة إعفاء شكلي للمتعثر، مع تحميل الخزينة العامة للدولة السورية كامل التكلفة، ما يحوّل المشكلة من أزمة سيولة لدى الأفراد إلى عبء مالي مباشر ودامغ على كاهل الدولة والاقتصاد الكلي.
وأوضح أن الفارق يتمثل في أن الدولة ستدفع للبنك الأوروبي نيابة عن المتعثر، ثم تعيد جدولة المبلغ، بعد الإعفاء، مع المتعثر نفسه.
أصدر وزير المالية محمد يسر برنية قراراً يقضي بتوجيه البنوك المملوكة للدولة بالنظر في توقيف جميع الملاحقات والإجراءات القانونية بحق المتعثرين في سداد قروض بنك الاستثمار الأوروبي، وذلك إلى حين استكمال اللجنة الوطنية المعنية أعمالها وإنجاز المهام الموكلة إليها.







